تخلى عني زوجي ١ – محمد نور
كدتُ أبتسم.. كدت.
حدق ماجد فيّ وكأن الدعابة في هذا الموقف إهانة له: “إذن طوال هذا الوقت…”
توقف.
وطافت نظراته في أرجاء الغرفة: طاولة الطعام البسيطة المصنوعة من الخشب والتي اشتريناها معاً، رف الكتب المستعمل الذي أعدتُ دهانه في أحد الصيفيات، والصورة المعلقة لنا في شهر العسل. لم يتغير شيء، ومع ذلك بدا ماجد وكأنه يرى كل قطعة بأبعاد مختلفة تماماً.
“أنتِ ابنة سليمان القاسم..”
“نعم.”
“ولم تخبريني أبداً.”
“لا.”
“لماذا؟”
كان ذلك سؤالاً عادلاً.. ربما أول سؤال عادل يطرحه منذ دخوله المنزل.
نظرتُ نحو أبي، وفهم على الفور.
قال أبي: “يمكنني أنا وليث أن نلقي نظرة على الحديقة.”
قلتُ له: “إنه في يومه الثالث فقط يا أبي.”
“إذن أعتقد أن معاييره في التقييم ستكون متسامحة.”
قام أبي بوقار وحرص، محتضناً “ليث” بين ذراعيه.
تحرك ماجد بغريزته: “يمكنني أن أحمله.”
توقف أبي، وتوقفتُ أنا أيضاً.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يعرض فيها ماجد حمل ابنه.
ارتسمت على وجهه مشاعر معقدة عندما أدرك ذلك هو الآخر.
نظر أبي إليّ، فأومأتُ له.
مشى نحو ماجد ووضع “ليث” برفق بين ذراعيه.
تغير كل شيء في ملامح زوجي.. الغضب ظل موجوداً، والحيرة كذلك، لكن تحت كل ذلك ظهرت موجة من الذهول والعاطفة.
تحرك ليث وأصدر صوتاً خافتاً في نومه، فنظر ماجد إلى الأسفل وانخفضت كتفاه المشدودتان.
همس: “أهلاً بك يا صغيري..”
كانت نبرته حنونة لدرجة أنها آلمتني.. لأن هذا هو الرجل الذي آمنتُ بأنه سيظهر في المستشفى؛ الرجل الذي قضى يوم الأحد بأكمله يركّب سرير ليث مرتين لأن المرة الأولى لم تعجبه زاوية أحد الحواف، الرجل الذي كان يضع أذنه على بطني ويضحك عندما يرفسه ليث.
الناس نادراً ما يكونون شريرين مطلقين، وهذا ما يجعل الخيبة قاسية جداً.. لو كان ماجد قاسياً كل يوم، لكان تركُه أمراً سهلاً، لكنه لم يكن كذلك. كان مرحاً، مهتماً، طموحاً، وأحياناً غير واثق من نفسه.. كان يتوق بشدة لنيل رضا والدته، ومستعداً للتنازل عن مساحته ليصغر أمام توقعاتها. وفي أهم لحظة في زواجنا، خذلنا.
غادر أبي الغرفة، وجلس ماجد في الكرسي المقابل لي وهو ما يزال يحمل ليث.
لعدة دقائق، لم يتكلم أي منا.
أخيراً سألني: “لماذا لم تخبريني؟”
شبكتُ يديّ وقلت: “لأنه عندما التقينا، كان كل شخص أعرفه يملك رأياً وتطلعاً في ثروة أبي.”