في الثانية فجرًا، رأيت زوجي يدخل قسم الطوارئ برفقة امرأة حامل أخرى في الثانية فجرًا، انفتحت الأبواب الأوتوماتيكية لقسم الطوارئ من جديد. كنت أغيّر ضماد المريض الموجود في السرير الثالث عندما رفعت رأسي ورأيت زوجي، ياسر الخطيب، يدخل. كان يحمل امرأة بين ذراعيه. كانت ترتدي فستانًا أبيض، وشعرها الطويل ينسدل على وجهها، وعلى تنورتها بقع من الدم. لم أكن بحاجة إلى رؤية وجهها لأتعرف إلى ذلك الفستان. قبل ثلاثة أشهر، كان ياسر قد اشتراه «لي» كهدية لعيد ميلادي. لم أقبله. كان رقيقًا أكثر مما ينبغي، وشبابيًا أكثر مما ينبغي، ومختلفًا عني كثيرًا. قال إنه أخطأ في المقاس، وإنه لا يستطيع إعادته. يا لها من مصادفة. فالمقاس كان مناسبًا لها تمامًا. — دكتورة مريم! —صرخت إحدى الممرضات—. بسرعة! تركت الملاقط، ونهضت، واتجهت نحوهما. رآني ياسر. ولثانية واحدة، خلا وجهه تمامًا من التعبير. — مريم... هل أنتِ في المناوبة اليوم؟ — نعم. لم أنظر إلى زوجي أكثر. بل نظرت إلى المرأة التي كان يحملها إلى صدره. — ماذا حدث؟ ابتلع ياسر ريقه. — سقطت على الدرج. تقول إن بطنها يؤلمها. — ضعها على السرير. وضعها برفق شديد، لدرجة أن ذلك التصرف اخترقني كالإبرة. رفعت المرأة رأسها. كانت شاحبة. جميلة. هشة بذلك الشكل الذي يوقظ غريزة الحماية لدى الرجال الذين لا يعرفون كيف يحبون النساء القويات. كانت ليان العابد. راقصة الباليه. المرأة التي أحبها ياسر لمدة عشر سنوات قبل أن يتزوجني. المرأة التي عادت من باريس قبل شهر. المرأة التي كان الجميع يسمونها، بابتسامة جانبية، «حب ياسر المستحيل». — مريم... —همست وهي تضع يدها على بطنها—. أنقذي طفلي، أرجوكِ... توقفت أصابعي فوق القفازات. — هل أنتِ حامل؟ نظرت ليان إلى ياسر. وانهمرت الدموع على خديها. — سبعة أسابيع. ثم أضافت بصوت خافت بالكاد يُسمع، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليسمعه الجميع في قسم الطوارئ: — إنه طفل ياسر. تجمّد الهواء. خفضت إحدى الممرضات عينيها. وتظاهرت أخرى بأنها تفحص جهاز المراقبة. أخذت نفسًا عميقًا. مرة. ومرتين. ثم ارتديت قفازي. — منذ متى بدأ الألم؟ — منذ ساعة... سقطت في المنزل... — هل هناك نزيف؟ — قليل، لكنه لا يتوقف. سحبت الستارة ونظرت إلى ياسر. — سيد الخطيب، انتظر في الخارج. لم يتحرك. ضغطت ليان على يده. — ياسر، أنا خائفة... — أنا هنا —قال وهو يميل نحوها بحنان كنت أتوسله منه طوال ثلاث سنوات—. لن يحدث شيء. لن يحدث شيء. كم كان من السهل عليه أن يعد بالمعجزات عندما لم أكن أنا من يحتاج إليها. طلبت إجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية، وتحليل هرمون الحمل، واستدعاء طبيب النساء والولادة فورًا. وصلت النتائج سريعًا. حمل داخل الرحم في مراحله المبكرة. جنين بنبض موجود. انغراس منخفض. وتهديد بالإجهاض. كانت بحاجة إلى دخول المستشفى والراحة. ملأت الأوراق من دون أن ترتجف يدي، ثم سلّمتها إلى ياسر. — الطابق الثالث. قسم النساء والولادة. عليك إنهاء إجراءات دخولها. أخذ الورقة، لكن عينيه ظلّتا معلقتين بليان. — الطفل... هل يمكن إنقاذه؟ — هذا يعتمد على تطور حالتها. يجب إدخالها ومراقبتها. — مريم، أرجوكِ، أنتِ يجب أن... — أنا طبيبة طوارئ، ولست طبيبة نساء وولادة —قاطعته—. الفريق في القسم سيشرح لك حالتها وتوقعات تطورها. نظر إليّ ياسر عندها. كان الذنب واضحًا في عينيه. وكذلك الخوف. لكن ليس عليّ. بل عليها. — مريم، أنا آسف. لم أكن أعرف أنكِ في المناوبة. — لا تعتذر —قلت—. هذا عملي. — أنا... — هناك مرضى آخرون ينتظرون. من فضلك، أفسح الطريق. ابتعد. وبينما كنت أتجه إلى السرير التالي، سمعته يقول لليان: — سأحملك إلى الأعلى بين ذراعي. — ياسر... طفلنا سيكون بخير، أليس كذلك؟ — نعم. أعدك. ضغطت على الملف الطبي بين أصابعي حتى انثنت الورقة. ثم واصلت عملي. وكأنني لم أرَ زوجي للتو يدخل قسم الطوارئ برفقة امرأة أخرى حامل بطفله. عند الرابعة فجرًا، هدأ القسم أخيرًا. دخلت غرفة الاستراحة وأعددت لنفسي فنجان قهوة شديدة المرارة حتى إنها أحرقت حلقي. اهتز هاتفي. كان ياسر. «مريم، أين أنتِ؟ يجب أن نتحدث.» لم أرد. اتصل. أغلقت المكالمة. ثم كتب مرة أخرى: «أعرف أنك غاضبة، لكن لا يمكن أن يتعرض طفل ليان للخطر. صحتها كانت دائمًا حساسة.» ظللت أحدق في الشاشة. وفجأة ضحكت. ضحكة جافة، بشعة، جعلت عينيّ تحترقان. بالطبع. صحة ليان كانت حساسة. ليان تحتاج إلى الرعاية. طفل ليان لا يمكن أن يتعرض للخطر. وماذا عني أنا؟ ماذا عن طفلي؟ كنت أنا أيضًا حاملًا. ثمانية أسابيع. من ياسر. عرفت ذلك قبل ثلاثة أيام. ولا يزال اختبار الحمل محفوظًا في درج مكتبي. كنت أنوي إخباره بعد انتهاء المناوبة. كنت أنوي أن أفاجئه. لم يعد هناك داعٍ لذلك. فقد حصل ياسر بالفعل على مفاجأة. مفاجأة جاءت ملفوفة في فستان أبيض كان من المفترض أنه اشتراه لي. عند السادسة صباحًا، عندما انتهت مناوبتي، وجدته ينتظرني في الممر. كانت الهالات السوداء تحيط بعينيه، ولحيته قد نمت ليوم كامل، وقميصه مجعد. — مريم. — هل الآنسة العابد مستقرة؟ — نعم. لقد أدخلوها إلى القسم. حاول أن يمسك بيدي. فسحبتها. — ياسر، أريد الطلاق. تجمّد في مكانه. — ماذا؟ — لقد وقّعت الأوراق بالفعل. سأرسلها إليك اليوم. لا أريد المنزل. ولا أريد أن أتشاجر على الممتلكات. أريد فقط أن ننهي الأمر. — الأمر بسبب ليان، أليس كذلك؟ مريم، اسمعيني. في تلك الليلة كنت قد شربت، لقد كان خطأ، أنا... — لا أحتاج إلى تبريرات. — بل تحتاجين إليها! — لا. لم أعد أحتاج إلى شيء. نظر إليّ وكأنه لم يفهم. — لم تعودي؟ — لم يعد الأمر يهمني. أطلق ياسر ضحكة مريرة. — لا يهمك؟ طوال ثلاث سنوات وأنت تقولين إنك تحبينني، وإنك تستطيعين الانتظار حتى أنسى ليان، والآن تقولين إن الأمر لم يعد يهمك؟ — بالضبط —أجبته—. لأنني أدركت أن هناك أشخاصًا لا يمكن انتظارهم. تشنج وجهه. — مريم... — أنت انتظرت ليان عشر سنوات. وأنا انتظرتك ثلاث سنوات. ولم يفز أي منا بشيء. مررت بجانبه. لكنه أمسك بمعصمي. — أنت تخفين عني شيئًا. — لا. — بلى. وجهك شاحب. وأنت ترتجفين. هل أنت مريضة؟ نظرت إليه. ربما كان من الأفضل أن أصمت. ربما كان سيكون أكثر راحة لي أن أرحل دون أن أعطيه ذلك الس/لاح الأخير. لكن شيئًا بداخلي، سئم من أن أكون الزوجة الهادئة، والطبيبة المثالية، والمرأة التي تتفهم كل شيء دائمًا، قرر ألا يحميه من الحقيقة. — أنا حامل. توقف ياسر عن التنفس. — ماذا؟ — منذ ثمانية أسابيع. إنه طفلك. ارتخت أصابعه عن معصمي. — لماذا لم تخبريني؟ — كنت أنوي أن أفعل اليوم. امتلأت عيناه بمشاعر متأخرة، لا فائدة منها. — مريم... — لكن لديك بالفعل طفل ليان. لا حاجة إلى طفلي. — لا تقولي ذلك. — سأُنهي الحمل. اختفى اللون من وجهه. — لا. لا يمكنكِ. — بل أستطيع. — إنه طفلنا. — طفلك موجود في الطابق الثالث يا ياسر. استدرت. صرخ باسمي في منتصف الممر، لكنني لم أتوقف. عندما خرجت من المستشفى، كان الفجر رماديًا وباردًا. أغلقت هاتفي، واستقلت سيارة أجرة، وأعطيت السائق عنوان عيادة خاصة. كانت هناك أزواج في غرفة الانتظار. رجال يحملون المعاطف. أيدٍ فوق البطون. همسات. أما أنا فكنت وحدي. ثم سمعت اسمي. — مريم العابد؟ رفعت رأسي. كان آدم منصور. زميلي في كلية الطب. طبيب نساء وولادة. الشاب الذي قال لي ذات مرة إنني أستحق شخصًا لا ينظر إليّ وكأنني الخيار الثاني. هبطت عيناه إلى الاستمارة التي بين يدي. ثم عاد بنظره إلى وجهي. — مريم... هل ستفعلين هذا وحدك؟ لم أجب فورًا. لأنني، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن سؤالًا بسيطًا كهذا يكاد يجعلني أبكي. الجزء الثاني والأخير لم يحاول آدم أن ينتزع الاستمارة من يدي، ولم يسألني أين زوجي بتلك النظرة التي تحمل الحكم والفضول. اكتفى بالجلوس إلى جواري وقال بهدوء: — مريم، أنا طبيب نساء وولادة. إذا أردتِ، يمكنني أن أطلب أن تفحصكِ طبيبة أخرى، أو أبقى معكِ حتى تقرري. لكنني لن أضغط عليكِ. كانت الجملة الأخيرة هي التي حطمتني. طوال ثلاث سنوات كنت أشعر بضغط خفي لأكون متفهمة، وألا أذكر ليان كثيرًا، وأتقبل أن ياسر يحمل جروحًا قديمة. تزوجته وأنا أعتقد أنني أستطيع أن أشفي قلبًا لم يكن لي. قلت لآدم: — لا أعرف ماذا أفعل. — إذن لا تفعلي شيئًا لا رجعة فيه اليوم. — إذا عدت إلى المنزل، سيحاول إقناعي. — ليس عليكِ العودة. لدي شقة مخصصة للأطباء المقيمين، وهي فارغة هذا الأسبوع. يمكنكِ النوم هناك. وافقت. في غرفة الفحص، أجرت الدكتورة ريفيرا تصويرًا بالموجات فوق الصوتية. — الحمل داخل الرحم، عمره ثمانية أسابيع ويومان، والنبض موجود. أدرت وجهي عن الشاشة. قالت: — من الناحية الطبية، لديكِ خيارات. لكنني أريد أن أسألكِ: هل قراركِ نابع منكِ أنتِ، أم مما فعله بكِ شخص آخر؟ لم أعرف الإجابة. جزء مني أراد إنهاء الحمل لأنني لم أحتمل فكرة أن يستخدم ياسر الطفل لإبقائي مرتبطة به، وجزء آخر أراد الاحتفاظ به. لكن كلتا الصورتين كانتا تدوران حول ياسر. أين كنت أنا؟ قالت الدكتورة ريفيرا: — لا تتخذي القرار اليوم. أنتِ في حالة صدمة. لم أجرِ العملية. عدت إلى شقة آدم ونمت ست عشرة ساعة. عندما استيقظت، وجدت على الطاولة ماءً وطعامًا وبطانية وملاحظة: «لستِ مضطرة للرد على أحد حتى تستطيعي الرد على نفسك.» بكيت، ليس بسبب ياسر فقط، بل بسبب مريم التي قضت ثلاث سنوات تحاول أن تكون متفهمة حتى نسيت كيف تصغي إلى نفسها. فتحت هاتفي. ثلاث وأربعون مكالمة من ياسر، ورسائل متتالية: «أين أنتِ؟» «لا تفعلي شيئًا بطفلنا.» «أعرف أنك تكرهينني، لكن الطفل لا ذنب له.» ثم: «إذا كنتِ مع آدم، فأخبريني.» ضحكت بمرارة. كتبت: «لا تبحث عني. تحدث إلى محاميتي.» لم تكن لدي محامية بعد، لكنني اتصلت بتيريزا في اليوم نفسه. استمعت إلى كل شيء، ثم قالت: — لا توقعي أي شيء، واحتفظي بالرسائل، واحصلي على نسخ من تحاليلك. ويمكننا البدء بإجراءات الانفصال. الحمل والطلاق مسألتان يمكن الفصل بينهما قانونيًا. كانت تلك الجملة مساحة جديدة أتنفس فيها. في اليوم التالي ذهبت إلى منزل والديّ. كانت أمي تعرف أن شيئًا خطيرًا حدث، وعندما قلت: — سنتطلق. سقطت علبة الأدوية من يدها. أخبرتهما أن ياسر جعل امرأة أخرى حاملًا، وأنه أحضرها إلى قسم الطوارئ أثناء مناوبتي. ثم قلت: — وأنا أيضًا حامل. بكت أمي. أما أبي فسألني: — ماذا ستفعلين؟ — لا أعرف. قال: — إذن لا تدعي أحدًا ينتزع الإجابة منكِ. كانت تلك الكلمات أهم نصيحة سمعتها. في صباح اليوم التالي، ظهر ياسر عند الباب حاملاً باقة زهور. رفض أبي إدخاله، لكنني سمحت له بخمس دقائق في الشرفة. جلس أمامي. — أريد أن أصلح كل شيء. — ماذا تحديدًا؟ بدأ يبرر علاقته بليان بأنه كان مشوشًا وشرب كثيرًا. سألته: — وهل كنت مشوشًا عندما اشتريت لها الفستان؟ عندما كذبت عليّ وقلت إنه لي؟ هل كانت تعرف أنك متزوج؟ خفض عينيه. كانت الإجابة واضحة. قال: — سأترك ليان. — أنت لست معها. أنت متزوج مني. — مريم، لا تجهضي الطفل. وضعت يدي على بطني. — لا تستخدم طفلي جسرًا للوصول إليّ. قلت «طفلي» للمرة الأولى، وشعرت بشيء يتغير داخلي. قال ياسر بأمل: — إذن ستحتفظين به؟ — لم أقل ذلك. القرار قراري، وإذا احتفظت به فلن يكون لإنقاذ زواجنا. دخلت المنزل وأغلقت الباب. بعدها طلبت إجازة مؤقتة من المستشفى. قالت لي الدكتورة تشين: — خذي أسبوعين. الأطباء ينزفون أيضًا. أصبحت الدكتورة ريفيرا طبيبتي المتابعة، وظل آدم قريبًا مني كصديق وطبيب، من دون أن يحاول استغلال ضعفي. وفي أحد الأيام، سألني: — هل قررتِ؟ نظرت إلى صورة الأشعة. — أعتقد أنني أريد الاحتفاظ به. لم يحتفل آدم. اكتفى بالقول: — إذن علينا أن نبني شبكة دعم حتى لا تفعلي ذلك من موقع الهجر. كانت تلك الجملة أهم من أي وعد عاطفي. أخبرت والديّ أنني قررت الاحتفاظ بالطفل، لكنني سأطلق ياسر مهما حدث. قال أبي: — إذا أردتِ أن يحمل الطفل اسم عائلتك، فسيحمله. وصل طلب الطلاق إلى ياسر، فطلب الوساطة وحقوقه الأبوية المستقبلية. طمأنتني تيريزا إلى أن القرارات الطبية تخصني، وأن الأبوة لا تمنحه حق التحكم في حملي. بدأ ياسر يرسل رسائل من أرقام مختلفة، ثم وصلتني رسالة من ليان: «مريم، أعرف أنك تكرهينني، لكن أرجوكِ لا تدمري ياسر. إنه يعاني كثيرًا. لم أرد أن أؤذيك.» أجبتها: «لا تراسليني مرة أخرى. وفي المرة القادمة التي ترتدين فيها فستانًا اشتُري بكذبة، حاولي ألا تلطخيه في مناوبتي.» ثم حظرتها. بعد أسبوع تعرضت ليان لمضاعفات، وعرفت من المستشفى أنها تعاني نزيفًا. بعد أيام فقدت الحمل في الأسبوع الخامس عشر. اتصلت بي تيريزا: — ياسر يريد رؤيتك. — لا. — ليان فقدت الحمل. شعرت بحزن حقيقي على الطفل، لكنني لم أذهب. في تلك الليلة وقف ياسر تحت المطر أمام بنايتي. اتصل بي من رقم مخفي. — ليان لا تريد رؤيتي. لقد خسرت كل شيء. قلت: — اتصل بمعالج نفسي أو بصديق. — ليس لدي أحد. — لا أستطيع أن أكون ذلك الشخص بالنسبة لك. سألني: — هل يمكنني رؤية طفلك عندما يولد؟ — سنتحدث عن ذلك قانونيًا. ثم قال: — أخشى أن تكرهيني لدرجة تجعلينها تكرهني. — لن أعلم طفلي أن يكرهك. لكنني لن أعلمه أيضًا أن الحب يعني قبول الأذى. قال: — لقد خسرت كل شيء. نظرت إلى بطني. — لا. لقد خسرت ما أسأت التعامل معه. بعد ذلك وقّع ياسر أوراق الطلاق. اكتمل الطلاق عندما كنت في الأسبوع التاسع عشر. لم تكن هناك مواجهة درامية. كان ياسر يبدو أكبر سنًا وأكثر تعبًا، وقال إنه بدأ العلاج النفسي. عند انتهاء الجلسة شعرت بحركة خفيفة في بطني. تحرك طفلي للمرة الأولى. في اللحظة نفسها التي توقفت فيها عن كوني زوجة ياسر. كان الأمر مؤلمًا وجميلًا في الوقت ذاته. عند الخروج قال: — هل يمكنني أن أطلب شيئًا؟ — يمكنك أن تطلب، ويمكنني أن أقول لا. — عندما يولد، أريد أن أكون جزءًا من حياته. ليس لأعود إليكِ، بل لأتعلم كيف أكون أبًا. قلت: — هذا ستقرره أفعالك، وليس هذه المحادثة. في الأسبوع العشرين عرفت أنني حامل بطفلة. بكت أمي، وذهب أبي لشراء دمية ضخمة. سميتها لونا. اخترت الاسم لأنني في الليلة التي قررت فيها الاحتفاظ بها رأيت القمر من نافذة شقتي. لم يكن مكتملًا، ومع ذلك كان يضيء. عرف ياسر بالجنس عبر تيريزا، ثم قال: «لونا اسم جميل.» توقفت. لم أخبره بالاسم. ثم تذكرت أنه يعرف أنني أحب القمر. في جلسة العلاج النفسي مع نادية قلت إن ذكرياتي الجميلة مع ياسر تربكني. قالت: — لا تحتاجين إلى تحويله إلى وحش كي يكون قرارك بالرحيل صحيحًا. يمكن أن يكون رجلًا عاشرته لحظات جميلة، وفي الوقت نفسه ألحق بكِ أذى عميقًا. فهمت أخيرًا أن تعقيده ليس عذرًا له. استمر الحمل. وفي إحدى الليالي، قلت لآدم: — لا أريد استخدامك لأشعر بوحدة أقل. قال: — إذا بنينا شيئًا يومًا ما، فيجب أن يكون ذلك من حريتك، لا من انهيارك. ضحكت. ثم وضعت يده على بطني. ركلت لونا. ابتسم آدم وقال: — مرحبًا يا لونا. لم يكن مشهدًا رومانسيًا بقدر ما كان لحظة سلام. في الأسبوع الثامن والعشرين، شارك ياسر معي في جلسات إرشاد للآباء المنفصلين. قالت الأخصائية: — الطفل ليس رسولًا ولا جسرًا ولا عقابًا. تحدثنا عن الزيارات، والقرارات الطبية، والتواصل، والحدود. ثم قال ياسر: — طلبت منكِ لسنوات أن تكوني صبورة مع حزني على ليان. جعلتك تعيشين مع شبح، ثم لُمتكِ لأنك شعرتِ بالبرود. صمت قليلًا. — لم أقع في حبها من جديد. كنت أحب النسخة من نفسي التي كانت موجودة قبل أن أخذل نفسي. ومعك كنت الرجل الذي كان عليه أن يتحمل مسؤولية ما هو عليه. قلت: — أردت إنقاذك وقتًا طويلًا. وبينما كنت أحاول إخراجك من قصتك معها، هجرت نفسي في قصتي أنا. كانت تلك المحادثة بداية اعتراف حقيقي، لا محاولة للمصالحة. وُلدت لونا في فجر ربيعي، في غرفة ولادة هادئة، وأمي إلى جانبي، والدكتورة ريفيرا تقود الولادة. كان ياسر في غرفة الانتظار، وفق اتفاقنا. عندما سمعت بكاء لونا، شعرت أن العالم كله انكمش إلى ذلك الصوت. وضعتها الطبيبة على صدري. كانت صغيرة، حمراء، غاضبة، وحية. — مرحبًا يا لونا —همست. بعد ساعة سألت: — ياسر؟ دخل. توقف عندما رأى ابنته. — يا إلهي. سمحت له بحملها. أمسكها بحذر شديد وبدأ يبكي. — إنها مثالية. قلت: — نعم. بعد عشر دقائق طلبت منه أن يخرج. فعل دون جدال. بدأت حياتي الجديدة. لم تكن الأمومة سهلة. كانت حليبًا مسكوبًا، ونومًا متقطعًا، وخوفًا دائمًا، وحبًا أكبر مما توقعت. أقامت أمي معي أسبوعين، وكان أبي يأتي بالطعام. وظل آدم قريبًا، يحمل أحيانًا القهوة والحفاضات، وحتى دمية على شكل فاصوليا. أما ياسر فالتزم بالزيارات المتفق عليها. تعلم تغيير الحفاضات وإعداد الطعام، وبدأ العلاج النفسي ومجموعة للآباء المنفصلين. قلت له ذات مرة وهو يحمل لونا: — تعلم عندما يكون الأمر مزعجًا، لا عندما يكون جميلًا فقط. أومأ. عندما بلغت لونا ثلاثة أشهر، بدأ ياسر يأخذها في زيارات قصيرة. كانت المرة الأولى صعبة جدًا عليّ. قال آدم: — عليكِ أن تتعلمي أن لونا يمكن أن يعتني بها أشخاص آخرون دون أن يمحو ذلك كونك أمها. كنت أكرهه قليلًا لأنه كان محقًا. عاد ياسر في الموعد المحدد، ولونا نائمة. قال: — أعجبتها الأشجار. نظرت إلى ابنتي. — وأنا أيضًا. كانت لغتنا الجديدة: جمل قصيرة، وحدود واضحة، واهتمام بلا حميمية. بعد عام، أصبحت حياتي أكثر استقرارًا. عملت في التدريس السريري وبرنامج لرعاية النساء الحوامل في أوضاع هشة. جعلتني تجربتي أكثر انتباهًا إلى النساء اللواتي يأتين وحدهن. لم أعد أسأل: «أين الأب؟» بل: — من يرافقك اليوم؟ وإذا قالت «لا أحد»، أجيب: — إذن سنبدأ بمرافقتك هنا. عندما مرضت لونا بعد أشهر، أخذناها معًا إلى طوارئ الأطفال. قاد ياسر السيارة، وأنا حملتها. وعندما قال الطبيب إنها مصابة بعدوى فيروسية وستكون بخير، تنفسنا نحن الاثنان في اللحظة نفسها. في طريق العودة قال: — أتذكر تلك الليلة في الطوارئ. لم أفهم وقتها ما الذي فعلته بكِ. قلت: — أنا أيضًا أتذكرها. — لن أطلب منك الصفح مرة أخرى. فقط أريدك أن تعرفي أنني فهمت الآن أنك لم ترحلي لأنني أنجبت طفلًا من امرأة أخرى. رحلتِ لأنني عندما جاء الوقت، أريتكِ أن ألمك لم يكن أولويتي. — نعم. هذا ما حدث. بعد فترة سألني: — هل كرهتِني؟ — نعم. — وما زلتِ؟ نظرت إلى لونا في المقعد الخلفي. — لا. لم يعد لدي طاقة لذلك. ابتسم بحزن. كان ذلك تقدمًا. ظل آدم في حياتي ببطء وصبر. وعندما بلغت لونا عامها الثاني، سألني ياسر: — هل أنتما معًا؟ — نرى إلى أين ستصل الأمور. نظر إلى آدم وهو يلعب مع لونا. — هل يحبها؟ — نعم. — جيد. ثم قال: — أحاول ألا أحول خسائري إلى أقفاص للآخرين. بدأت علاقتي بآدم رسميًا عندما كانت لونا في الثانية والنصف. في أول مرة أمسك فيها يدي سأل: — هل هذا مقبول؟ ابتسمت. — نعم. كانت أبسط كلمة، لكنها كانت ثورية بالنسبة لي. عرف ياسر بالأمر، ولم يفتعل أي مشكلة. بل تحدثنا نحن الثلاثة عن كيفية تقديم آدم إلى لونا بطريقة صحية. أما ليان، فقد أعادت بناء حياتها في الخارج. أرسلت لي لاحقًا رسالة بخط يدها تعترف فيها بأنها كانت تعرف أن ياسر متزوج، وأنها تعاملت مع تاريخها معه وكأنه يمنحها حقًا أكبر مني. كتبت: «لا أطلب منكِ الغفران. أريد فقط أن أقول إنني آسفة لأنني استخدمت ضعفي إذنًا لإيذائك.» أجبت: «وصلتني رسالتك. لا أريد التواصل. أتمنى أن تشفي جراحك.» وانتهى الأمر عند ذلك. عندما بلغت لونا الرابعة، سألتني: — هل يعيش أبي في بيت آخر لأنه يشخر؟ كدت أختنق من الشاي. جلست بجانبها وقلت: — أنا وأبوك نعيش في بيتين مختلفين لأننا لم نكن سعداء ونحن زوجان. — لكنه يحبني؟ — كثيرًا. — وأنت تحبينني؟ احتضنتها. — أكثر من الكثير. — وآدم؟ — آدم يحبك أيضًا. فكرت قليلًا. — إذن لدي بيوت كثيرة. ابتسمت. — نعم يا حبيبتي. لديك بيوت كثيرة. بعد سنوات، تحدثت في مؤتمر طبي عن الصدمات النفسية والحمل. قلت: — لا تقولوا لامرأة في أزمة إنها يجب أن تتخذ قرارًا سريعًا لتثبت قوتها. أحيانًا يكون القرار الأكثر شجاعة هو الانتظار حتى يهدأ الألم بما يكفي لسماع ما تريد أن تعيشه تحته. ثم أضفت: — ولا تجعلوا من المرأة التي تستمر وحدها قصة رومانسية. هي لا تحتاج إلى التصفيق لأنها لم تنكسر. تحتاج إلى شبكة دعم، وراحة، ومعلومات، وحرية. بعد المحاضرة اقتربت مني طبيبة شابة وهي تبكي. — أنا حامل. شريكي تركني. جئت أعتقد أن عليّ أن أقرر اليوم. أمسكت يدها. — ليس اليوم. اليوم تنفسي. في تلك الليلة عادت لونا من غرفة نومها وهي تحمل رسمًا. ثلاثة أشخاص: هي، وأنا، وآدم. وفي زاوية أخرى كان هناك ياسر. وفوقهم دائرة صفراء ضخمة. — هذا القمر —قالت—. لأن اسمي لونا. ثم أضافت: — أبي قال إنك كنت تحبين القمر قبل أن أولد. توقفت. كان ياسر قد أخبرها بشيء جميل. ليس عنه. ولا عنا. بل عني أنا. بعد أن وضعت لونا في سريرها، وقفت أمام النافذة. كان القمر غير مكتمل مرة أخرى. تذكرت تلك الليلة في قسم الطوارئ. الفستان الأبيض. صوت ليان. يد ياسر وهي تمسك يدًا أخرى. اختبار الحمل في درج مكتبي. سيارة الأجرة إلى العيادة. آدم وهو يقول: «لا تفعلي شيئًا لا رجعة فيه اليوم.» وأبي وهو يقول: «لا تدعي أحدًا ينتزع الإجابة منكِ.» أول ركلة أثناء الطلاق. أول صرخة للونا. وأول مرة احترم فيها ياسر بابًا مغلقًا. لفترة طويلة اعتقدت أن تلك الليلة سلبتني زواجي. لكن الحقيقة كانت أكبر. تلك الليلة نزعت العصابة عن عيني. عشت ثلاث سنوات وأنا أعتقد أن الحب يعني الانتظار. انتظار أن ينسى رجل. انتظار أن يراني. انتظار أن يختارني. ثم، في الثانية فجرًا، في غرفة الطوارئ، فهمت أنني لا أريد أن أستمر في الانتظار. لم أجهض ابنتي بدافع الألم. ولم أنقذ زواجي بدافع الخوف. ولم أكره إلى الأبد بدافع الكبرياء. ولم أسامح كي أرضي أحدًا. فعلت شيئًا أصعب: فصلت حياتي عن جراحي، وبدأت أختار من مكان أكثر صدقًا. خسر ياسر مريم، الزوجة التي كانت تنتظر. وخسرت ليان وهم أن الحب القديم يملك حقًا أكبر. أما أنا، فربحت ابنة. وصوتًا. ومنزلًا. وشبكة دعم. ويقينًا ظل يسندني كلما أصبحت الحياة ضبابية: ليست كل قصص الحب تنتهي عندما يرحل أحدهم. بعضها يبدأ عندما تتوقف المرأة أخيرًا عن الانتظار عند باب حياة لم يضعها أحد فيها في المقام الأول. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد