"هو بجد مش متضايقة إن جوزك اختارني أنا؟" سألتني العشيقة بكل برود وهي بتاكل ورك الفراخ مع حماتي. ابتسمت، وحطيت كارنيه قديم وورقة رسمية من المحكمة في شنطتي ورسيتهم، ورديت بـ: "ولا بفرق معايا". كملوا زغاريد وفرحة بخروجي من البيت... وهما مش فاهمين إن بعد ٣ أيام بس، الكارنيه ده هيقلب نصرهم لـ قضية وتسلُم من النيابة. الجزء الأول — "هو أنتِ بجد مش متضايقة إن جوزك بيمشي شمال ومن وراكي؟" السؤال خبط في وشي قبل حتى ما ألحق أخلع عبايتي. كانت الساعة تقرب على تسعة بالليل، ولسه راجعة طالع عينها من شغل إضافي في سوبرماركت كبير في طنطا. من الصالة، كان صوت الضحت العالية طالع، مع ريحة الأكل الجاهز وصوت المعالق والمواعين. في مكاني المتعودة أقعد فيه، كانت قاعدة واحدة في الثلاثينيات، لابسة بلوزة بينك بتبرق، أظافرها متظبطة على الفرازة، وضحكتها متفصلة قدام المراية. وقدامها حماتي، سميحة، نازلة أكل في صينية مشويات تكفي عيلة، تكلفتها أكتر من المصروف اللي بتسيبهولي للأسبوع كله. — "أهو، الست هانم شرفت" حماتي قالتها وهي قاعد مكانها ما تحركتش، وكملت: "دي بقى يا ستي، هناء... حبيبة إسلام الغالية أوي." هناء بصتلي من فوق لتحت بقرف. — "سمعت عنك كتير... ياه، شغلانة هد حيل إنك تفضلي لطوب الأرض لحد بالليل كده. دلوقتي بس فهمت ليه إسلام بيقول إن البيت ده ناقصه... روح ونظافة." سميحة ضحكت بانتصار: — "طول عمرها خايبة ومش عارضة تلم البيت ولا تعمل جو. لو واحدة زيك هي اللي هنا، كان ابني جرى على البيت جَري من بدري." إسلام مكنش ليه أثر. قبلها بساعة، كان باعتلي رسالة: "عندي قعدة شغل مع زبون، اعملي لقمة عدلة لأمي تطفحها." حطيت إيدي في جيب العباية، وضغطت جامد على الفلاشة الصغيرة اللي كانت معايا. هناء مالت براسها ومالت عينها: — "يعني بجد، مش متضايقة إنه بيلعب ديل من وراكي؟" الاتنين كانوا مستنيين ينزل مني دموع. كان نفسهم أصرخ، أكلم إسلام، أعملهم شو وشرشحة عشان يقولوا عليا مجنونة ومفترية. بس أنا حزن البكا ده كنت خلصته من زمان.. ومبقاش في عيني دموع. — "لا"، رديت بهدوء، "ولا بفرق معايا خالص. ألف هنا وشفا عليكم." ضحكة هناء اتسحبت من على وشها فجأة. سميحة حطت كوباية الشاي برقعة على الترابيزة: — "ست باردة وقاسية! عشان كده ابني طهق منك وباعك. وما تعيشيش في الوهم يا حبيبتي: الشقة دي ملك العيلة، ولو مشيتي، هتمشي بهدومك اللي عليكِ وبس!" دخلت أوضة النوم. من أسبوع كامل وأنا مجهزة شنطة هاند باج صغيرة. حطيت فيها غيارين، حاجتي الشخصية، وفولدر أزرق فيه صور كشوفات الحسابات، وصور عقود، وأوراق من عند المحامي، وظرف مقفول كان حمايا -الله يرحمه- سيبهولي في إيدي قبل ما يموت. عشرين سنة وأنا بطبخ في البيت ده، وبنظف، وبخدم سميحة وأشيلها، ومسكة حسابات مصنع العيلة وبلم البلاوي والفضايح اللي بيعملها إسلام. وبعد ما عم 'حسين'، حمايا، توفاه الله، كل حاجة اتقلبت. إسلام نصب نفسه المدير العام، وبدأ يعاملني زي الخدامة. وسميحة ما بقتش حارمة نفسها من الكره والافتراء عليا. الليلة دي.. مكنش فاضل حاجة واحدة تستاهل أزعل عليها. سحبت الشنطة وخرجت. — "على فين إن شاء الله؟" سميحة سألت. — "رايحة في داهية... أقصد ماشية كام يوم." هناء فطست على روحها من الضحك: — "بكرة ترجعي زاحفة وتعيطي!" — "أكيد"، سميحة كملت فوقيها، "لما تفهمي إن إسلام هو الراجل وهو اللي ممشي كلمته هنا." بصيتلهم أخر بصة: — "شكراً على السنين دي كلها يا طنط سميحة. ويا هناء... الباقي عندك بقى." — "باقي إيه؟" سألت بغباء. ما رديتش. قفلت الباب ورايا، رميت المفتاح في صندوق البوسطة، ونزلت للشارع وقفت أول تكسي. وفي نص الطريق، جالي إشعار رسالة من الأستاذ سامح، المحامي بتاع حمايا اللي بنثق فيه: "كل الأوراق تمام وجاهزة يا مدام هدى. يوم الإثنين الصبح الحقيقة كلها هتتكشف قدامهم." بصيت من شباك العربية وخدت نفس عميق.. نفسي ما حسيتوش من سنين. هما كانوا فاكرين إنهم طردوني وراموني في الشارع. اللي مكنوش يعرفوه.. إن الشقة دي عمرها ما كانت ملك لإسلام اصلاً... وإن يوم الإثنين، هيشوفوا أسود يوم في حياتهم. الجزء الثاني تاني يوم الصبح، صحيت في بنسيون بسيط جنب موقف الأتوبيسات. لأول مرة من عشرين سنة، ما قمتش الساعة خمسة الصبح عشان أعمل الفطار لـ سميحة وإسلام. وأنا بشرب القهوة، بصيت على إيدي: خشنة، ومبصومة بسنين من الغسيل، والطبخ، وشغل الكاشير، وبعدها ليالي كاملة بقضيها في مراجعة الفواتير بتاعة الشركة. عم 'حسين' -الله يرحمه- كان دايماً يقولي إن الإيدين دي هي اللي شايلة البيت والشركة أكتر ما العيلة دي فاهمة. قبل ما أمشي بـ أسبوع، وأنا بنظف أوضة سميحة، لقيت الجزء التحتاني من كومودينو مفتوح، كانت محرجاني ألمسه من يوم ما اتجوزت. كان في ظرف بني كرافت زنق درج الموبيليا ومخليه مش بيفل. شدت الظرف، وقع منه بطاقة الرقم القومي بتاعتي! بطاقتي القديمة! من خمس سنين، سميحة قالتلي إن البطاقة ضاعت في سرقة افتعلوها في البيت، وأجبرتني أعمل محضر وأطلع غيرها، وحلفت عليا إنها "هتفركش القديمة وتقصها". بس اهي كانت قدامي زي ما هي! جوه الظرف كان في مصيبة أكبر: عقد طلاق جاهز متزور فيه إمضتي، وتوكيل عام مزيف، وعقد قرض شخصي من راجل أعمال بـ ٨ مليون جنيه! إسلام مكتوب فيه كـ "مدين"، وأنا مكتوبة كـ "ضامن ضامن"! وكانوا مطلعين البيانات دي كلها ببطاقتي القديمة الملغية عشان يبان إني أنا اللي وافقت بنفسي. كانوا عايزين يلموا قرشين ويضمنوا الديون بأملاك فاكرين إنهم معلمين عليها، ويرموني بره بقرشين ونصف بعد ما ألبس في الديون! صورت كل الورق ده على تليفوني ولا نطقت بكلمة. وفي نفس الليلة، فتحت الظرف اللي عم حسين كان سابهولي في المستشفى قبل ما يسلم روحه بـ ٣ سنين. — "يا هدى"، قالها بالعافية وهو بياخد نفسه: "إسلام خايب ومهزوز، وسميحة ما بيهمهاش غير المنظرة والعنطزة.. لو في يوم حاولوا يكسروكِ، افتحي الظرف ده. وأرجوكِ، ما تضحّيش بعمرك عشانهم." جوه الظرف، كان في عقود مسجلة بالكرتونة، وإشعارات توثيق من الشهر العقاري، وأوراق أمانة وأسهم مصنع. عم حسين كان بايعلي شقة 'المهندسين' بعقد ملكية ونقل ملكية رسمي، وحاطط حصة السيطرة والإدارة لمصنع 'قطع الغيار' في صندوق أمانات، وأنا المالك والمدير الفعلي ليه لو إسلام فرّط أو هكّع في مال الشركة. إسلام كان معاه اليافطة والاسم.. وأنا كان معايا التوكيل والورق الرسمي اللي هو أصلاً ما تكلفش يقرأه! تليفوني هز.. كان الأستاذ سامح. — "البنك رفض القرض الإضافي يا مدام هدى. إسلام كان بيحاول يرهن الشقة، ولما كشفوا عن العقود لقوا إن الشقة باسمك أنتِ." بعدها بـ خمس دقائق، سميحة كلمتني وهي بتصرخ: — "الحقيني يا هدى! عملتي إيه؟ إسلام عامل حريقة في البنك ومقلوب حاله!" — "ولا حاجة.. مشيت، زي ما كنتم عايزين." — "البنك بيقول الشقة باسمك أنتِ! إزاي الكلام ده؟!" — "عشان هي باسمي فعلاً من ثلاث سنين." سكوت زي الموت على الناحية التانية.. — "ده.. ده كلام فارغ ومستحيل!" — "لا مش مستحيل.. عم حسين أثبت كل حاجة بعقود رسمية قبل ما يموت." — "ارجعي حالاً وإمضي على الأوراق! شركة ابني هتروح في داهية!" — "دي مش 'شركة ابنك' يا سميحة." قفلت في وشها. بعدها في المكتب، الأستاذ سامح وراني الميزانية الحقيقية. إسلام كان بيمص دم الشركة، سحب مبالغ مهولة عشان الفنادق والهدوم والفسح، وتحويلات بنكية لحساب هناء. الموردين ليهم فلوس ومستحقات متأخرة، وفيه قروض أنا عمري ما بصمت عليها. وهنا جت الضرب التانية.. — "ست 'هناء' دي لا حيلتها ولا وراها عيلة مبسطة ولا حاجة"، الأستاذ سامح قالها، "دي عليها قضايا ونصب ومطلوبة لـ شركات تمويل ومشهورة بنصب الجوازات. إسلام فاكر إنها هترث ملايين، وهي فاكرة إن إسلام هو صاحب الشقة والمصنع.. الاتنين بيلبسوا بعض!" ضحكة مرار طلعت من قلبي. سميحة طردتني عشان تجيب "عروسة غنية لابنها"، وما كانتش تعرف إنها مدخلة نصابة تثبر معاهم تحت سقف واحد! في اللحظة دي، تليفون المكتب رن. الأستاذ سامح رد، سمع ثواني، وبصلي بذهول: — "إسلام لسه طالع من المصنع بعد ما حاول يسحب فلوس الخزنة وما عرفش.. ودلوقتي رايح بـ البطاقة القديمة والورق المزيف." — "رايح فين؟" المحامي وشه أصفر: — "رايح مكاتب توثيق الشهر العقاري!" قلبي أتقلب.. بعد عشرين سنة من النطاعة والسرقة، إسلام رايح انتحار رسمي: هيستخدم شخصيتي قدام الموثق! والمرادي.. محدش هيقدر يلم القذارة دي وراه. الجزء الثالث التليفون رن تاني بعد ربع ساعة.. كان موظف الشهر العقاري. — "يا مدام هدى، جوزك كان هنا"، الموظف حكالي: "وكان معاه توكيل بإمضتك وبطاقة رقم قومي قديمة عشان يثبت قرض برهن الشقة. لما كشفنا على البطاقة في السيستم طلعت ملغية ومسروقة! وكمان التوكيل فيه تزوير واضح. إحنا رفضنا نعتمد العقد وبلغنا نجدة الشرطة فوراً." ما حسيتش بنصر.. حسيت بقرف وتعب. إسلام بنفسه حط رقبته تحت المشنقة. — "هو لسه عندكوا؟" سألت. — "لا، اتقمص وهيّج الدنيا وجري قبل ما البوكس يوصل." الأستاذ سامح لم الأوراق من على المكتب وقال: — "كده بقينا في استخدام أوراق مزورة وتزوير رسمي.. الموضوع خرج بره قصة 'خلافات زوجية'." هزيت رأسي. في نفس اليوم، سلمنا كشوفات الحسابات، وصور البطاقة الملغية، والتوكيل المزيف للنيابة، وفعلنا بند صندوق الأمانات بتاع عم حسين. إسلام اتوقف رسمياً عن إدارة المصنع لحد ما التفتيش المالي يخلص. الساعة ١١ بالليل، الباب بتاع البنسيون اتهز بخبط جنوني. بصيت من العين السحرية.. كان هو. بدلته متبهدلة، شعره منكوش، وعقد الطلاق المزيف متكرمش في إيده زي الزبالة. — "عارف إنك جوه! افتحي يا هدى!" فتحت السلسلة بس: — "عايز إيه يا إسلام؟" — "هتنزلي معايا وتوقع ببطاقتك الجديدة! هتعتمدي التوكيل والقرض ده فوراً!" — "وليه أعمل كده؟" — "عشان أنا جوزك!" — "وعشان أنت جوزي، أنا عارفة بقعتك وقذارتك كويس." خبط الباب بكف إيده بفركشة: — "أنتِ عملتيلي كمين!" — "لا يا إسلام.. أنا ما زورتش إمضتي، ولا سرقت بطاقتي، ولا طلبت قروض باسمك، ولا نسفت فلوس المصنع.. أنا بس بطلت أداري على قذارتك." وشه اتغير في ثانية.. الكبرياء أتمحى وظهر الخوف. — "هدى.. الحقيني! هناء مستنية العربون بتاع شقة التجمع.. لو ما دفعتش بكرة، كل حاجة هتضيع!" — "هي أصلاً ضاعت." — "أنتِ مش فاهمة! دي عيلتها مستريحة وطافحة فلوس! أول ما نتجوز كل حاجة هتتصلح!" بصيتله بقرف: — "أنت لسه عبيط ومصدق؟" وقف مذهول: — "قصدك إيه؟" — "اسأل الهانم بتاعتك ليه عليها أحكام في ثلاث شركات تمويل وليه ليها اسم تاني في مركز الشرطة!" إسلام وشه بقى زي اللوح: — "أنتِ بتكذبي!" — "طب رن عليها قدامي." اتصل بيها يجي عشر مرات قدامي.. التليفون مغلق. قفلت الباب في وشه. تاني يوم الصبح، عرفت إن هناء، أول ما فرزت إن إسلام اتعرى ومبقاش حيلته أورطة ولا شقة ولا مصنع، غيرت بوصلتها بسرعة. سميحة كان معاها حوالي ٤ مليون جنيه، تحويشة عمرها، كانت حاطاها في البنك ورافضة تطلع منها مليم لما المصنع كان بيقع. هناء عرفت السكة. مثلت دور الضحية ودموع التماسيح قدام سميحة، وقالتلها إن عربون شقة "الشيخ زايد" هيروح عليهم لو ما تدفعش كاش الصبح. — "أول ما أتجوز إسلام، هكتبلك جناح كامل باسمك"، هناء عيشتبها في الوهم، "وعيلتي هتدخلك في أرقى دار رعاية كبار السن VIP اللي فرجتك عليها." سميحة، من كتر الجشع والمنظرة، شربت المقلوب! أدتها الفيزا، ورقم السر، وكل بيانات الحساب عشان "تعدي الأزمة". هناء ما استنتاش للصبح.. قبل الفجر كانت حلبة الحساب، وسحبت وتحولت كل اللي تقدر عليه، ولمت شنطتها وفصت ملح وذابت! إسلام عرف الخبر وهو قاعد معايا في ريسبشن البنسيون، بعد ما جه يترجاني أوقف التحقيقات بتاعة النيابة. تليفونه رن.. كانت سميحة بتصرخ وتصوّت: — "الحقني يا إسلام! البت هناء هربت! سرقت تحويشة عمري كلها!" إسلام فتح السبيكر من صدمته: — "فلوس إيه؟!" — "دفتر التوفير والفيزا! أديتهالها عشان تحجز الشقة!" التليفون وقع من إيد إسلام.. قعد على الكرسي ورجليه مش شايلاه. — "لا.. دي.. دي مستحيل تعمل كده.." مسكت التليفون وحطيته على الترابيزة وقلتله: — "الواحدة اللي حاولت تخرب بيتي عشانها.. عملت فيك وفـ أمك اللي كنتوا عايزين تعملوه فيا بالظبط." ما نطقش.. قعد يبص للأرض وهو يستوعب إنه خسر الشقة، والمصنع، والقرض، وعشيقته، وتحويشة أمه.. في لعبة هبلة. الظهرية، نزلت المصنع. المصنع ده عم حسين بناه طوبة طوبة. أنا حافظة العمال اسم اسم، لأني سنين كنت بعمل المرتبات، وأفاصل مع الموردين، وأصلح العك بتاع إسلام. في أوضة الاجتماعات، كان قاعد الأستاذ سامح، والمحاسب القانوني، والمهندس رضا -مدير الإنتاج- ومندوبين التركات. إسلام دخل متأخر، وشايط: — "إيه الهبل ده! أنا المدير العام هنا!" الأستاذ سامح زق العقد قدامه: — "بقيت المدير السابق. مجلس الإدارة جمد صلاحياتك بسبب الاختلاس، والتزوير، ومحاولة رهن أصول الشركة." — "أبويا مستحيل كان يوافق على المهزلة دي!" طلبت جواب عم حسين وقريت منه سطر واحد بس: — "لو إسلام افتكر إن ورثة الاسم تديله حق يضيع شقايا، احمي العمال والمصنع منه يا هدى." إسلام أترس في مكانه وما نطقش. المهندس رضا دمع وبص للأرض. التقرير المالي كشف بلاوي: فلوس الشركة كانت بتصرف على فسح إسلام، والهدوم، وتحويلات هناء. — "الشركة هترفع قضايا رد مبالغ وخيانة أمانة"، المحامي قالها بصرامة، "والديون الشخصية مالهاش دعوة بأصول المصنع." إسلام بصلي بكسرة: — "هدى.. عشان خاطري.. أنتِ الوحيدة اللي تقدر تصليحها.." كلمة "هدى أصلحيها" كانت لبانته كل ما يبهدل الدنيا. بس هدى القديمة ماتت. — "أنا هصلح المصنع يا إسلام"، رديت بثبات، "لكن حياتك أنت.. أصلحها بنفسك." رجعت الشقة مع المحامي عشان أستلمها. سميحة كانت قاعدة في الصالة، من غير مكياج، وعينيها متورمة من العياط. الترابيزة ما كانش عليها أكل جاهز ولا مشويات.. كان في كباية شاي بنعناع باردة. أول ما شافتني، قامت: — "هدى.. الموضوع زاد عن حده! أنا معترفة إن هناء دي كانت عقربة.. بس إحنا عيلة! وممكن نبدأ من جديد!" حطيت عقود الملكية على الترابيزة: — "إحنا مش عيلة من اليوم اللي شيلتي فيه بطاقتي عشان تزوري إمضتي وتلبسيني ديون." شفتاها اترعشت: — "أنا.. أنا كنت بحمي مستقبل ابني!" — "بتزوير إمضتي؟" — "إسلام قال إنها إجراءات أوراق عادي!" — "بس اسمك مكتوب كشاهد يا سميحة." ما لقتش رد. — "الشقة دي ملكي"، كملت كلامي، "عم حسين كتبها باسمي قبل ما يموت. قدامكم ٣ أيام تلموا الكراكيب بتاعتكم وتغوروا من هنا." سميحة حطت إيدها على قلبها: — "وهترميني في الشارع وأنا ست كبيرة؟" — "لا.. أنا بطلع من ملكي اتنين كبار حاولوا يزوروا بطاقتي عشان يرموني أنا في الشارع بـ ديون ملايين." إسلام ما دافعش عنها.. ولا حتى بص في وشها. بعد ٣ أيام، الساعة ستة وربع الصبح، جالي تليفون من نوبتجية القسم. خناقة موت في الشقة! إسلام، لما الديون زنقته، حاول يسرق دهب أمه وأوراق مالية بتاعتها عشان يبيعها. لما مسكت فيه، اتضاربوا، وكسروا باب الصالة والموبيليا. الجيران بلغوا الشرطة. لما وصلت هناك مع المحامي، كانت عربية النجدة واقفة، والشارع كله واقف في البلكونات يتفرج. سميحة كانت قاعدة على الكنبة، بتتفض من الذل والفضاحة. وإسلام كان في الكلبشات بيترحل. — "كل ده بسببك أنتِ!" سميحة صرخت لما شافتني، "لو ما كنتيش مشيتي، ما كانش حصل كل ده!" الجملة دي أكدتلي إنهم عمرهم ما هيفهموا. — "لا يا سميحة.. لو ما كنتش مشيت، كان زماني شايلة ديون بمليونات، وكنتوا زمانكم بتاكلوا وتضحكوا وفاكرين إنكم علِمتوا عليا." قعدت تعيط بحرقة: — "تحويشة عمري راحت!" — "وأنا راح من عمري عشرين سنة وأنا بحاول أثبتلكم إني إنسانة وأستاهل الاحترام." في النيابة، الفضيحة كملت. إسلام حاول يلبّس أمه قضايا التزوير، وسميحة حطت كل العك في ظهر ابنها. كل واحد كان مستعد يضحي بالتاني عشان ينفد بجلده. الشرطة جابت هناء بعد كام يوم وهي بتحاول تسافر بره. الفلوس ما رجعتش كلها، بس أسطورة "العيلة الغنية" طارت في الهواء. بس اللي كسر سميحة بجد.. مكنش سرقة الفلوس. كان تسجيل صوتي اتجاب من تليفون الشركة بتاع إسلام، وهو بيكلم هناء ويقولها: — "الأول نخلص من هدى ونرميها بره.. وبعدين أومي لو رخمت، هناخد تحويشتها ونرميها في أي دار مسنين ونخلص." سميحة جمدت في مكانها.. سنين وهي بتهينني عشان خاطر ابنها.. وابنها كان شايفها مجرد "سبوبة" هيخلص منها أول ما تاخد غرضها! ما حسيتش بشماتة وأنا شايفاها بتموت من العياط.. حسيت بحزن على القسوة والغل اللي ممكن يهدوا بيت كامل. الشهور اللي بعد كدة كانت مطحنة. المصنع كان قريب من الإفلاس. لغيت كل المصاريف الفاضية، فاصلت مع الموردين، بعت عربيتين ميكروباص كان إسلام شاريهم من فلوس الشركة، وعملت مراجعة مالية شامة. ما مشيتش عامل واحد مظلوم. المهندس رضا بقى مدير العمليات، وأنا مسكت الإدارة المالية والشركة كـ رئيس مجلس إدارة رسمي. لأول مرة، لما كنت بدخل المصنع، محدش كان بيقول "مدام الأستاذ إسلام وصلت". كانوا بيقولوا: "أهلاً يا مدام هدى." سميحة راحت عاشت عند أختها في الصعيد، وما رجعتش كلمتني تاني من غير ما تحط حجج. إسلام شرب نتيجة أفعاله: قضايا اختلاس، وتزوير ورق رسمي، ونصب، غير ديونه الشخصية. وورقة طلاقنا جتلنا.. بس المرادي بإمضتي الحقيقية، وبحضور محاميتي، ومن غير ولا مليم دين عليّ. اليوم اللي القضايا كلها خلصت فيه، رجعت شقة المهندسين لوحدي. دخلت الصالة.. المكان ده كان مقر إهانتي لسنين: أكل يترمى، شتيمة، استهزاء، وأوامر. صينية الأكل الجاهز بتاعة الليلة دي كانت اختفت.. والخوف اختفى معاها. فتحت الشبابيك ودخلت هواء ربنا. نزلت الجنينة الصغار بتاعة البيت.. عم حسين كان زارع شجرة ليمون يوم جوازي. كانت متبهدلة، بس لسه فيها روح. قعدت على ركبي، شلت الطين الميت، وقصيت الفروع الناشفة. وافتكرت كلمته الأخيرة: — "ما تضحّيش بعمرك.. عيشي لنفسك." لأول مرة فهمت إن حمايتي لنفسي ما كانتش خيانة.. كانت نظافة ونظرة صح للحياة. بعت الشقة بعد شهور.. ما كنتش عايزاها تفضل شاهدة على القرف. اشتريت شقة صغيرة، منورة، جنب المصنع، وبالباقي عملنا صندوق طوارئ لعمال المصنع اللي بيمروا بأزمات. أول صبحية في مطبخي الجديد، عملت القهوة ليا أنا وبس. ما فيش حمات مستنية الأكل.. ما فيش جوز بيزعق.. ما فيش واحدة غريبة قاعدة في مكاني. قعدت جنب الشباك، ومسكت الكوباية السخنة بإيدي. ولما بصيت لإيدي الخشنة، ما شوفتش إيد واحدة فقيرة أو عاجزة زي ما سميحة كانت بتقولي.. شوفت الإيدين اللي شالت مصنع، وبيت، وعيلة، في الوقت اللي غيري كان بياخد اللقطة. ابتسمت.. إسلام وسميحة افتكروا إن سكووتي كان ضعف وخوف. في الحقيقة، سكووتي كان الوقت اللي محتاجاه عشان أعرف أنا أسوى إيه بجد. واليوم اللي عرفت فيه قيمتي.. ما بقاش عندهم حاجة في الدنيا يقدروا يشتروا بيها سكوتي تاني. النهاية