فريده

## حكاية ليلة الانتقام والمافيا

“ممكن تبوس*ني؟”

فريدة بلال قالت الجملة دي قبل ما تلمح وش الراجل حتى.

هي مكانتش عارفة غير حاجتين اثنين بس في اللحظة دي: خطيبها واقف الناحية التانية من صالة الفرح وإيده على وسط أختها، وإنها لو فضلت واقفة مكانها وثابتة لثانية واحدة كمان، القاعة كلها هتتفرج عليها وهي بتنهار وتتكسر.

عشان كده مدت إيديها من غير ما تبص، ومسكت في كم بدلة سودا كانت واقفة جنبها، وهمست تاني، بس المرة دي بنبرة أشد وأقوى:

“أرجوك.. بوسني.. عايزة أحرق دمه وأخليه يموت من الغيرة.”

الراجل ما تحركش من مكانه.

صالة فندق الماسة الفخم كانت بتلمع حوليهم ببوفيه الشرب الغالي، والورد الأبيض، والفضة المتلمعة، وصوت مزيكا هادية وراقية من فرقة كمان تمنها غالي أوي، معزوفة عشان تخلي الخيانة باينة وكأنها حاجة شيك. متين مستثمر وأعضاء مجلس إدارة وعائلات من أكابر البلد كانوا متجمعين في حفلة “مؤسسة بلال للتجارة”، الحفلة اللي فريدة بنيتها وخططت لها من أول رسمة لحد التنفيذ. هي اللي اختارت الإضاءة، وهي اللي اختارت نوع الشرب، وهي اللي كتبت الخطاب اللي باسم الشريف المفروض يلقيه قدام الناس بعد أقل من ساعة.

باسم الشريف—خطيبها، وحبيب الجماهير، والوريث الملياردير لشركات الشريف للاستيراد والتصدير—المفروض كان يبقى واقف جنبها دلوقتي.

بدل كده، كان واقف جنب البوابة الشرقية، ومقرب منها أخت فريدة الصغيرة، نيرمين، وضاممها لجنبه زيادة عن اللزوم.

الروج بتاع نيرمين كان متبهدل وممسوح منه حتة.

وياقة قميص باسم كانت معوجة ومش مظبوطة.

والاثنين كان على وشهم نفس الملامح الحذرة والمكشوفة اللي بتبان على وش الناس لما يكونوا لسه راجعين من مكان مكانش المفروض يكونوا فيه أصلا.

فريدة كانت عارفة بالظبط هما كانوا فين.

شافتهم بعينيها في ممر الخدمات ورا الصالة من تمنتاشر دقيقة بالظبط؛ نيرمين ضهرها ساند على الحيطة، وإيدين باسم في شعرها، والاثنين نفسهم عالي وكأن الدنيا أخيرا ادتهم الإذن عشان يبقوا قساة وينادوا بالخيانة.

ودلوقتي، فريدة واقفة في وسط الحفلة بتاعتها، ولابسة فستان أوف وايت باسم كان منقيه وموافق عليه، وخاتم ألماظ باسم هو اللي اختاره، وابتسامة على وشها مبقتش قادرة تحافظ عليها ولا تخبي الوجع وراها.

الراجل الغريب لف راسه أخيرا وبص لها.

فريدة رفعت عينيها تبص له، ونسيت لثانية واحدة من الخوف إزاي تتنفس.

كان أكبر في السن مما توقعت. ممكن يكون عنده ستين سنة مثلا. طويل، كتافه عريضة، الشعر الشايب باين عند جوانب راسه، وفيه جرح قاطع حاجب من حواجبه وكأنه علامة قديمة وتاريخ رافض يتسير ويتهاون. بدلته كانت سودا متفصلة عليه بالملي، وسكوته وثباته مكانش سكوت حد مؤدب ولطيف؛ ده كان سكوت خطر. مش خطر من بتاع الزيطة والمشاكل، ولا خطر من بتاع الناس السكرانة.. لأ، ده النوع الأعمق، النوع اللي يخلي رجالة ذوي نفوذ وسلطة يبصوا على مخارج المكان من غير ما يعرفوا هما بيبصوا ليه أصلا.

عينيه نزلت على إيديها اللي ماسكة في كم بدلته.

كان المفروض فريدة تسيب إيده فورا.

بس ما سابتهاش.

قالت له بصوت واطي وصوابعها بتبت في قماشه أكتر: “أنا آسفة.. أنا عارفة إن اللي بعمله ده جنان، وعارفة إني ما أعرفكش. بس الراجل اللي واقف عند البوابة هناك ده بيخوني مع أختي بقاله تمن شهور، وأنا محتاجة يشوفني وأنا مش مكسورة ولا منهارة.”

عيني الراجل الغريب عدت من فوقها وبصت وراها.

وسألها ببرود: “اللي واقف على الشمال جنب العامود الرخام؟”

“أيوا.. هو.”

“هو خد باله مني أنا قبل ما ياخد باله منكِ.”

بطن فريدة قلبت وحست ببرودة: “إيه؟! يعني إيه؟”

الراجل الغريب عينه ما تحركتش وهو بيقول: “هو شافني وأنا داخل.. وجسمه اتخشب في مكانه.” وبص لها وقال: “الراجل ده دلوقتي مش حاسس بالغيرة.. الراجل ده خايف ومرعوب.”

فريدة لفت وبصت على باسم.

لأول مرة طول السهرة، باسم مكانش بيبص على نيرمين. كان مبحلق ومثبت عينيه في الراجل اللي واقف جنب فريدة، ووشه هرب منه الدم وكل الجاذبية والوش السمح اللي كان بيصطنعه اختفوا.

همست فريدة: “أنت مين؟”

الراجل الغريب بص لها تحت، بصة حقيقية وفاحصة، وكأن بيوزن وبيرى نوع الست اللي ممكن تشد راجل غريب في وسط زحمة وتطلب منه يبوسها عشان تنتقم من راجل يستاهل أوحش من كده بكتير.

قال لها: “كامل الشهاوي.”

الاسم لف وقبض القاعة كلها قبل ما فريدة تستوعب معناه أصلا.

راجل واقف جنب بوفيه الشرب نزل كاسه براحة. واثنين كانوا بيضحكوا جنب المعروضات سكتوا فجأة ومبقوش بيضحكوا. وواحد من أعضاء مجلس إدارة شركة باسم لف ضهره بسرعة لدرجة إنه كان هيخبط في الويتر.

فريدة كانت عارفة الاسم ده كويس، بس بالطريقة اللي الناس المحترمة بتعرف بيها أسامي معينة—عن طريق الإشاعات، التحذيرات، والأبواب اللي بتتقفل قبل ما الشرح والكلام يبدأ.

كامل الشهاوي.

كبير منطقة جنوب البلد القديم. ملك العقارات والمقاولات. المستثمر الملياردير وصاحب الأراضي والفنادق.. والأعداء. الراجل اللي الجرايد كانت بتكتب عنه إنه “رجل أعمال معتزل كان له نشاط سابق” عشان الجرايد كانت بتحب تظاهر وتعمل نفسها مصدقة إن فيه رجالة من النوع ده ممكن تعتزل أصلا.

إيد فريدة سابت كم بدلته أخيرا من الخوف.

بس كامل مسك إيديها قبل ما تبعد. لف كف إيديها لفوق لثانية وكأنه بيقرا حاجة مكتوبة فيه، وبعدين أخد إيديها وحطها في كوعه وسندها عليه.

قال لها بحسم: “امشي معايا.”

“أنا طلبت منك تبوسني.”

“أنا سمعتكِ.”

“بس أنت ما قولتش ماشي.”

“وما قولتش لأ.”

حط إيده ورا ضهرها براحة. مش حركة تملك، ولا حركة استعراض وتظاهر؛ بس كانت حركة فيها سند كفاية يخليها تقف على رجليها وتتوازن. وبعدين بدأ يمشي بيها في وسط الصالة، وواخدها في اتجاه باسم ونيرمين بالظبط.

قلب فريدة كان بيدق جامد وكأنه هيطلع من بين ضلوعها.

همست له برعب: “أنت بتعمل إيه؟”

## حكاية ليلة الانتقام والمافيا (الجزء الثاني والأخير)

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *