فريده

وقال لها بصوت واطي وخافت: “يا فريدة.. فيه سر تاني وتكملة للحكاية.”

باسم بدأ يضحك تاني وضحكته وسعت، بس ضحكة باهتة وكلها يأس وضياع.

الضابط مد إيده ومسك دراع كامل عشان يمشيه. كامل ما اتهزش ولا فارق معاه وبص لفريدة.

فتح العلبة القطيفة لآخر مرة، وأخد الخاتم اللي فيه الفص الأحمر وحطه في كف إيد فريدة وقفل صوابعها عليه.

وقال لها الكلمة دي: “أمكِ مماتتش بسبب عيا ومرض زي ما قالوا لكِ.”

الدم جمد في عروق فريدة وبقت سقعانة: “إيه؟! يعني إيه؟”

كامل قرب منها أكتر، ووطى صوته لدرجة إن محدش سمع الكلمة دي غيرها هي وبس: “وأبوكِ عاصم بلال مماتش في حادثة عربية وقدر.. دول صفوا بعض.”

الضابط شد دراعه ومشاه معاه وكامل ساب نفسه ومشي ومن غير أي مقاومة. فريدة فضلت مبحلقة فيه والخاتم في إيدها حامي زي النار وبتحرق كفها.

وعلى الناحية التانية من الصالة، ضحكة باسم ماتت واختفت خالص، لأنه سمع الكلمة وفهم معناها وعارف التفاصيل. ولأن نيرمين، وهي لسه متبتة فيه، همست له برعب وخوف: “باسم.. هو أبوك عمل إيه زمان وخبا إيه؟”

كامل كان خلاص بيعدي من بوابات الصالة برا، وقبل ما يخرج خالص ورا الظباط، لف راسه وبص وراه لآخر مرة. عينه جت في عين فريدة وقال لها جملته الأخيرة: “اسألي ودوري ورا حكاية البنت اللي لقوها في الملاحة والبحيرة القديمة.” وبعدين البوابات اتقفلت وراه واختفى.

فريدة فضلت واقفة لوحدها تحت النجف الكبير والأنوار الغالية، خطيبها سابها وباعها، وأختها خانتها وكسرت ضهرها، وماسكة في إيدها خاتم أمها الميتة وسرها القديم، وكل الأكابر والناس اللي ليهم نفوذ وسلطة في الصالة عاملين نفسهم مش شايفين ومش خايفين من الاسم والهيبة.

وفجأة، من جوا علبة الخاتم القطيفة، ومن تحت البطانة السودا المستخبية، حتة ورقة مطوية وصورة قديمة سابت مكانها ووقعت تحت رجليها على الرخام.

فريدة ميلت براحة وجابتها من الأرض.

الصورة كانت قديمة، ومبشورة من المية، ومقسومة من النص من كتر القِدم.

وكانت فيها أمها وهي لسه شابة وبتضحك من قلبها، وإيدها محطوطة على بطنها وهي حامل.

وكان واقف جنبها في الصورة كامل الشهاوي وهو صغير وفي عينه فرحة.

وعلى ضهر الصورة من ورا، وبخط إيد إيناس بلال نفسها، كانت مكتوبة جملة واحدة من خمس كلمات خلّت الدنيا كلها تسكت وتظلم في عين فريدة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *