صفعه في المقهى – محمد نور

صفعه في المقهى – محمد نور

ارتدّت الصفعة في أرجاء مقهى “الروضة” كأنها طلقة رص*اص.

توقفت كل المحادثات فوراً، وساد صمتٌ مريب تجمدت معه حركة المقهى.

سقطت معلقة على طبق صيني خلفي بأزيز مسموع، وشهقت امرأة بالقرب من الصندوق مذهولة. حتى صوت آلة الإسبريسو بدا فجأة عالياً ومزعجاً وسط هذا الصمت المطبق.

تشنجت يدا ابنتي الصغرى، “أمل”، ذات الستة أعوام، وهي تمسك بظهر قميصي المتهالك وتدفن وجهها المذعور في خاصرتي.

وقفت “شيماء”، أختي، على بُعد إنشات مني، تتنفس بسرعة، ويدها المطلية بأفخر أنواع الأظافر لا تزال مرفوعة في الهواء.

همست بنبرة مسمومة: «لا تجرئي على مناداتي بأختكِ مجدداً… أنتِ وهذه الطفلة أكبر عار عرفته هذه العائلة على الإطلاق!».

شعرت بطعم الدم الساخن في فمي حيث جرحت أسناني الشفة الداخلية من أثر الصفعة.

لكنني لم أتحرك. لم أبكِ. لم أنطق بكلمة.

اكتفيت بالنظر في عينيها بثبات بارد.

هذا الهدوء العجيب أثار جنونها أكثر من أي إهانة.

التفتت شيماء بنفاذ صبر نحو الرجل الضخم الواقف بجانبها، زوجها، وقالت بغضب: «”طارق”! هل ستظل واقفاً هكذا وهي تهين زوجتك؟ اتخذ معها إجراءً فورياً!».

خطا طارق إلى الأمام.

كان يرتدي سترة فاخرة كادت تمزقها عُرض كتفيه، ويداه ضخمتان لدرجة جعلت بعض زبائن المقهى يتراجعون للخلف بحذر تلقائي. ب بنيته الجسدية توحي برجل يقضي يومه في صالة الألعاب الرياضية وينام بجوار سلاحه.

قبضت يداه بقوة.

في تلك الثانية المرعبة، حسبتُ ببديهتي المسافة بينه وبيني وبين ابنتي أمل.

استيقظت غرائز العسكرية القديمة في أجزاء من الثانية:

احمِ المدنيين… سيطر على الخطر… لا تصعّد الموقف إلا إذا أُجبرت.

ثم نظر طارق مباشرة إلى وجهي… إلى الندبة الممتدة من صدغي أسفل خدي الأيسر.

تجمد في مكانه.

ارتخت قبضتاه ببطء شديد، واختفت كل قطرة دم من وجهه ليصبح أصفر كالموتى.

تراجع خطوة إلى الخلف… ثم ثانية… ثم ثالثة.

بدأ صدره يعلو ويهبط بكثافة كأن الأكسجين قد اختفى فجأة من الغرفة.

كان ينظر إليّ وكأنه يرى جثة خرجت للتو من القبر وتمشي أمامه، وهمس بصوت مرتعش: «هذا… هذا غير ممكن أبداً…».

أمسكت شيماء بذراعه بحدة: «ما بك يا طارق؟ ما الذي جرى لك؟».

لم يلتفت إليها طارق حتى، بل ظلت عيناه معلقتين بوجهي: «هل أنتِ… النقيب “نور”؟».

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *