مديري المخادع – محمد نور

بعد أسبوعين، حدث معي موقف طريف في مطعم الشركة.

كنتُ أبحث عن طاولة فارغة عندما أشار إليّ رجل مسن يرتدي سترة رمادية أنيقة بيده:

— “هناك متسع هنا.”

جلستُ، وأكلنا معا لمدة عشر دقائق.

— “جديدة؟” سألني.

— “نعم.”

— “في أي قسم؟”

— “القسم التجاري الثالث.”

هز رأسه وقال: “جامعة جيدة؟”

— “عادية.”

ابتسم وقال: “المؤسسة التعليمية لا تحدد السقف الذي يمكن أن يصل إليه المرء.”

ابتسمت بدوري: “أتمنى ذلك.”

أنهى غداءه، وأخذ صينيته ومضى. وبمجرد خروجه، مالَت عليّ إحدى الزميلات وهرست:

— “هل تعرفين من هذا الرجل؟!”

— “ليس تماماً.”

نظرت إليّ وكأنني فقدت عقلي:

— “إنه الشيخ عبد الرحمن! رئيس الشركة بكملها!”

كِدتُ أضحك. بالطبع أعرف من هو، فقد قضيتُ كل أعياد حياتي في بيته! لكنني اكتفيت بالقول: “يا للروعة.”

في تلك الليلة، وأنا أعمل حتى ساعة متأخرة، وصلني اتصال منه:

— “هل تناولتِ العشاء؟”

— “نعم يا جدي.”

— “رأيتُكِ في المطعم اليوم.”

— “وانا رأيتُك أيضاً.”

— “ولم تسلمي عليّ؟”

— “أنت من شرط ألا يعرف أحد من أكون.”

حدث صمت قصير، ثم أطلق همهمة رضا وقال: “جيد.”

— “هل هذا يعني أنني اجتزت الاختبار؟”

— “يعني أنكِ لم تفسدي الأمر في أسبوعكِ الأول.”

هكذا كان دائماً.

بعد شهرين، ظهر مشروع “الواحة”.

لم يكن أكبر عقود الشركة، لكنه كان مثالياً لشخص يريد إثبات جدارته. كان الهدف هو إعادة إحياء منطقة تجارية في أحد مجمعاتنا السكنية.

على مدار ثلاثة أسابيع، قمتُ بتحليل الإيجارات، والمنافسين، وحركة المشاة، وسلوك المستهلكين. حتى أنني دفعت من جيبي الخاص تكاليف دراسة ميدانية صغيرة بعدما رفض القسم الميزانية الداخلية!

كنتُ أنام خمس ساعات فقط، وآكل أمام شاشة الكمبيوتر، وأعدتُ كتابة العرض التقديمي ست مرات.

وفعّلتُ ما لم يكن يتوقعه أحد: وافق العميل على استراتيجيتنا وطلب التفاوض فوراً على المرحلة الثانية!

عندها فقط، بدأت “ريم” تظهر في كل الاجتماعات.

في البداية كانت تقول: “أريد فقط أن أتعلم.”

ثم: “أستاذ طارق طلب مني الإشراف عليكِ.”

وأخيراً: “تذكري أن هذا المشروع ملك للقسم، وليس لأحد بمفرده.”

قبل ذلك الاجتماع الحاسم بيومين، اكتشفتُ السبب الحقيقي.

ريم كانت خطيبة “ماجد”، وماجد هو ابن رجل أعمال يدعى “فهد الجابري”، وهو صديق مقرب لمديرنا طارق. وكان هناك انطباعٌ شائع في أروقة الشركة بأن فهد الجابري يمتلك حصة أسهم كبيرة في المجموعة، وأن ريم —بصفتها كنّته المستقبلية— يجب أن تحظى بـ “معاملة خاصة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *