عريس تحت الطلب ١ – محمد نور

خلال الطريق، فكّرت في كل المرات التي برّرت فيها تصرفات يوسف. للذاكرة قسوة خاصة؛ فعندما تنتهي العلاقة، تتراصف المواقف التي كانت تبدو عابرة لتشكل لوحة واضحة لا يمكن إغفالها.

عادت ريم إلى المدينة بعد ستة أشهر من خطبتنا. كانت عائلتها قد أفلست وتوفي والداها. أفهمني يوسف وقتها أن عائلتها قدمت له الكثير في شبابه.

— “إنها مثل أختي,” قال لي.

وأردتُ أنا أن أصدق.

في البدء كانت خدمات صغيرة: استقبالها في المطار، مساعدتها في البحث عن شقة، مرافقتها إلى مقابلة عمل.. ثم تحولت إلى عشاءات مُلغاة، وعطلات نهاية أسبوع مقتطعة، لاتصالات في أي وقت. لم تكن ريم تطلب بأسلوب مباشر، بل تهمس، تتصنع الانكسار، فيركض يوسف لإنقاذها وكأن ضعفها مهمة مقدسة.

في أحد الأعيد، أهديتُ يوسف مجسمًا لمركب شراعي قديم عكفتُ على صناعته شهورًا. كان معجبًا بالبحر. رأته ريم في مكتبه وعلّقت بأنه يذكرها بوالدها. وبعد يومين، كان المجسم يزين صالة منزلها!

— “كانت سعيدة به,” قال يوسف مبررًا، “سنصنع واحدًا آخر معًا.”

ولم نفعله قط.

وكان المشهد الأسوأ خلال رحلة في الجبل. تعثرت ريم بي في ممر ضيق، فسقطنا كلينا على منحدر. انخلع كتفي، بينما لم تصَب هي إلا بخدوش بسيطة. لكن قبل أن يصل بقية الرفاق، قربت شفتيها من أذني وقالت:

— “لو قلتُ إنكِ دفعتِني، فمن يصدق في رأيكِ؟”

عندما وصل يوسف، بدأت ريم بالبكاء:

— “كانت ليلى متعبة.. أعتقد أنها فقدت توازنها وسقطت

عليّ.

”

لم يسألني يوسف عما حدث، بل حملها بين ذراعيه ووجه لي كلامه بقسوة:

— “دائمًا ما تحولين كل شيء إلى منافسة!”

ورحل معها.

نزلتُ الجبل بمفردي وأنا أسنِد ذراعي المصابة، واتصلتُ بالإسعاف من موقف السيارات، وفقدتُ الوعي قبل وصولهم. لسنوات ظننتُ أن شخصًا غريبًا وجدني وأعاد الاتصال بالإسعاف.. لأكتشف لاحقًا أن ذلك الرجل كان طارق.

إن الخطر الحقيقي في مثل هذه العلاقات ليس الضربات الكبيرة، بل التنازلات الصغيرة: اعتذار لا تدينين به، عشاء تتظاهرين بعدم الاهتمام به، وإهانة تخفينها كي لا تقلقي عائلتكِ. تظلين تتنازلين شبرًا فشبرًا حتى تستيقظي يومًا لتكتشفي أنكِ لم تعد لكِ أي مساحة في حياتكِ الخاصة.

في منزلنا، فحص أبي عقد الزواج ثلاث مرات.

— “إنه رسمي وصحيح,” قال وكأنه يخشى أن أكون قد زوّرتُ زواجًا لمجرد النكاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *