تركني تحت المطر ٢ _ محمد نور

نظرتُ إليه:

— “آدم، أنا لستُ بحاجة…”

— “أنا بحاجة لفعل ذلك.”

كان صوته هادئًا:

— “ليس لأستعيدكِ… بل فقط لأنه حقكِ.”

أخذتُ الظرف:

— “شكرًا.”

ابتسم:

— “الآن تقوليها وأنتِ تعنينها.”

لم أستطع منع نفسي من الابتسام أيضًا. لثوانٍ معدودة، كنا مجرد شخصين عرفا بعضهما أكثر من اللازم.

— “عليّ الذهاب,” قلتُ.

— “أعرف.”

لم يحاول إيقافي، وربما كان ذلك أول دليل حقيقي على أنه تغير.

كان والداي ينتظرانني خارج الفندق في تلك الليلة، لا أعلم من أخبرهما بمكاني.

كانت أمي تبدو أكبر سنًا بكثير، وكان أبي لا يزال يمشي بتصلب رغم استناده إلى عصا.

— “نور.”

توقفتُ. اقتربت أمي:

— “نريد الحديث فقط.”

— “ليس لديّ وقت طويل.”

ضغط أبي على شفتيه:

— “لا يجب أن تتحدثي مع أمكِ بهذة الطريقة!”

ابتسمتُ؛ بعض الناس يتغيرون، والبعض الآخر فقط يكبر في السن.

— “إذن أعتقد أنه لا يوجد شيء لنتحدث عنه.”

لتفتُّ للرحيل.

— “انتظري!”

بدأت أمي تبكي:

— “لقد أخطأنا.”

هذا بالفعل جعلني أتوقف؛ طوال طفولتي لم أسمع والديّ ينطقان بهذه الكلمة قط.

استدرتُ، وواصلت أمي:

— “كنا نظن أن سارة بحاجة إلينا أكثر.”

— “أكثر من ابنتكما؟”

حنت رأسها:

— “توفي والداها، وكنا نشعر…”

— “أنني أستطيع التحمل؟”

لم تجب.

— “تلك كانت مشكلتكم جميعًا.”

نظرتُ إليهما:

— “آدم كان يظن أنني أستطيع الانتظار، وأنتما كنتما تظنان أنني أستطيع التضحية، وسارة كانت تظن أنني أعرف القصة كاملة… الجميع قرر أن نور تستطيع تحمل المزيد والمزيد.”

قال أبي:

— “ولكننا كنا عائلتكِ!”

— “بالضبط.”

لم يهتز صوتي:

— “ولهذا كان الألم أكبر.”

مدت أمي يدها، وهذّه المرة لم أبتعد، لكنني لم أأخذ يدها أيضًا.

— “هل يمكنكِ مسامحتنا؟”

فكرتُ لثوانٍ:

— “يوماً ما، ربما.”

ظهر الأمل على وجهها:

— “إذن هل يمكنكِ العودة للبيت؟”

هززتُ رأسي نفيًا:

— “المسامحة لا تعني العودة.”

تصلب أبي:

— “هل ستعاقبيننا إلى الأبد؟”

— “لا.”

نظرتُ إليه مباشرة:

— “أنا فقط لم أعد أرتب حياتي حول أناس يطلبون مني أن أصغر وأتضاءل ليرتاح الآخرون.”

ومشيتُ. ولأول مرة، لم تحاول أمي اتبعي.

بعد سنتين، كانت حياتي لا تُشبه ما كانت عليه إطلاقاً؛ أصبحتُ أدير فريقًا دوليًا، ونشرتُ دراستين مهمتين، وكنتُ أسافر باستمرار. اشتريتُ شقة صغيرة تطل على النيل، ليس لأنها عملية، بل لأنها أعجبتني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *