تركني تحت المطر ٢ _ محمد نور
والتقيتُ بشخص ما… كان اسمه طارق، وكان مهندسًا معماريًا.
في أول مرة خرجنا فيها معًا، بدأت تمطر. نظرتُ تلقائيًا نحو الشارع أبحث عن تاكسي لأوفر عليه، ففتح طارق مظلته وقال:
— “سأرافقكِ.”
— “لا داعي لتكلف نفسك.”
— “أعرف.”
تلك الإجابة جعلتني أتوقف:
— “إذن لماذا؟”
نظر إليّ وكأن السؤال غريب:
— “لأنني أريد ذلك.”
طوال سنوات كنتُ أخلط بين الحب والتحمل، بين الحب والانتظار، بين الحب والتضحية.
طارق علمني شيئًا أبسط: أحيانًا يفعل أحدهم شيئًا لأجلك ليس لأنه واجبه، ولا لأنكِ كسبتِه، ولا لأن هناك دينًا… يفعل ذلك فقط لأنه يريد رؤيتكِ تبتسمين.
أول مرة طبخ فيها لأجلي كدتُ أبكي:
— “هل الطعام سيء لهذا الحد؟” سأل بفزع.
ضحكتُ:
— “لا.”
— “إذن ما الأمر؟”
نظرتُ إلى العشاء:
— “لا شيء.”
لم يطلب طارق تفسيرات، بل قرب الطبق فقط:
— “كُلي قبل أن يبرد.”
لم أقُص عليه قصتي كاملة إلا بعد أشهر. وعندما انتهيتُ، ظل ساكتًا:
— “بماذا تفكر؟” سألتُه.
— “بأنكِ لابد وأنكِ شعرتِ بالوحدة الشديدة.”
تلك الجملة اخترقت شيئًا عميقًا بالداخل؛ لم يقل إن آدم وحش، ولم يقل إن والديّ سيئان، لم يحول قصتي إلى محاكمة… بل رأى فقط المرأة التي كنتُها، ورأى وحدتها.
حينها عرفتُ أنني أقع في حبه.
بعد ثلاث سنوات من تلك العاصفة، عدتُ نهائيًا للقاهرة لأدير الفرع الإقليمي لشركتنا.
في يوم وصولي كانت تمطر أيضًا. وعندما خرجتُ من المطار، وجدتُ طارق ينتظرني حاملًا مظلتين!
— “لماذا مظلتان؟”
— “لأنني دائمًا أفقد واحدة.”
ضحكتُ:
— “هذا لا معنى له.”
— “لا شيء أفعله قبل القهوة له معنى.”
أخذ حقيبتي:
— “متعبة؟”
— “جداً.”
— “طلبتُ الطعام بالفعل.”
— “تايلاندي؟”
— “بالتأكيد.”
سارنا نحو موقف السيارات، وحينها رأيتُ وجهًا معروفًا.
كان آدم يقف على بعد أمتار، ويبدو أنه كان ينتظر شخصًا ما أيضًا. التقيت أعيننا.
لثانية واحدة، اختفى المطار، ورأيتُ مجددًا الرجل الذي يركض تحت المطر لأجل سارة، ورأيتُ نفسي بالهاتف في يدي أظن أنني لا أستحق حتى عشر دقائق من وقته.
لكن تلك المرأة لم تعد موجودة.
نظر آدم إلى طارق، ونظر طارق إليّ:
— “هل تعرفينه؟”
— “نعم.”
اقترب آدم:
— “نور.”
— “أهلاً.”
نظر إلى طارق:
— “زوجكِ؟”
أدهشني السؤال، فنظرتُ إلى يدي حيث يلمع الخاتم البسيط تحت أضواء المطار: