ألغيت الزفاف – محمد نور

قبل أسبوع من الموعد الذي كان مفترضاً لزفافنا، جاء طارق مرة أخرى.

لم يكن غاضباً هذه المرة، بل كان يحمل صندوقاً:

— أغراضكِ.

كانت في الصندوق أشياء تركتُها في شقته السابقة: كتاب، مجفف شعر، كوبان، وشال. وفوق كل ذلك، إطار صغير يحوي صورة لنا قبل خمس سنوات.

لم نكن أنيقين، لم نكن نملك بيتاً، ولم نكن نتحدث عن الزفاف… كنا مجرد شابين يجلسان على غطاء سيارة يأكلان طعاماً سريعا.

تأمل طارق الصورة وقال:

— كنا سعيدين…

— نعم.

— في أي لحظة أفسدتُ كل شيء؟

كان السؤال أشد إيلاماً من كل اتهاماته السابقة.

— لم تكن لحظة واحدة.

— إذن أخبريني متى؟

فكرتُ قليلاً ثم قلت:

— في كل مرة افترضتَ فيها أنني سأتفهم.

تجمعت الحيرة في عينيه:

— ماذا تقصدين؟

— عندما كنتَ تلغي مخططاتنا لأن سمر تحتاج مساعدة، كنتُ أتفهّم. وعندما تقرضها المال، كنتُ أتفهّم. وعندما قضيتَ ليلة رأس السنة مع والدتها في المستشفى، تفهّمتُ. وعندما استخدمتَ نقاط طيراننا لشراء تذكرة طارئة لها، تفهّمتُ…

— لم تقولي يوماً إن ذلك يزعجكِ!

— لأن كثيراً من تلك الأمور لم تكن تزعجني فعلاً.

— إذن؟

— ما تغير هو أنك بدأتَ تخلط بين تفهّمي وبين حقك في اتخاذ القرارات نيابة عني.

أطرق طارق رأسه:

— لم أرد ذلك أبداً… هل هناك أي شيء يمكنني فعله الآن؟

لم أجب فوراً.

قبل أشهر، كنتُ سأحتاج إلى تخيل خيانة كبرى لأبرر الفراق؛ امرأة أخرى، كذبة هائلة، أو ديون سرية.

لكن العلاقات لا تنتهي دوماً بانفجار كبير، بل تنتهي أحياناً لأن شيئاً صغيراً أضاء كل ما سبقه:

بصمة ممسوحة، غرفة مشغولة، ثوب نوم مُعار دون إذن، وأمٌ تُرسل إلى فندق!

وفجأة… ترى النمط كاملاً.

قلتُ أخيراً:

— لا… ليس لاستعادة ما كان.

دمعت عينان وقال:

— هل تكرهينني؟

— لا.

— هذا يكاد يكون أشد إيلاماً.

— أعلم.

أشرق يوم زفافنا المفترض صافياً وجميلاً.

بدأت الرسائل تتوالى على هاتفي من الصباح: صديقات يردن إخراجي للشرب، وأخريات يقترحن سفراً، وأمي -التي ما زالت تتعافى- تصر على إعداد الفطور لي.

لم أرد تحويل ذلك اليوم إلى مأتم، ففعلتُ شيئاً بسيطاً: دعوتُ والديّ للغداء في البيت… في بيتي.

أحضر أبي عصيراً لأمي، ودخلت هي الغرفة ببطء مستندة إلى عصاها.

كانت المقابض مثبتة، السجادة الجديدة في مكانها، والكرسي المريح عند النافذة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *