جرعة تهدئة – محمد نور
تسمر “ياسين” في مكانه، وتغيرت ملامح وجهه بالكامل:
— “ما هذا؟”
سحبتُ ذراعي:
— “لا شيء.”
— “هذا ليس ‘لا شيء’!”
توقفت “سارة” هي الأخرى عن الابتسام. وقفتُ قائلة:
— “يجب أن أذهب.”
سد “ياسين” طريقي:
— “هل أنتِ مريضة؟”
— “ليس من شأنك.”
رأيت كيف ضربته إجابتي كالصفعة؛ فقبل ثلاثة أعوام لم أكن لأجرؤ على قول ذلك له أبدًا. لكن قبل ثلاثة أعوام، كنتُ أظن أنه مستقبلي، أما الآن فهو مجرد رجل متزوج.
— “إلينا..”
— “زوجتك تتوقع منك العودة.”
نظر إلى “سارة”، فأنزلت عينيها. استغللتُ اللحظة وغادرتُ المكان.
***
3
اتصل “ياسين” ست مرات في تلك الليلة، ولم أرد. وفي المرة السابعة أغلقتُ الهاتف.
في الصباح التالي، كان يجلس أمام غرفتي في المستشفى.
تسمرتُ في مكاني؛ رفع رأسه، لم يكن يرتدي معطفًا، وكان الثلج الذائب يبلل كتفيه:
— “كيف وجدتني؟”
— “تبعتُكِ بالأمس.”
— “هذا انتهاك للخصوصية.”
— “أعلم.”
— “إذن ارحل.”
لم يتحرك:
— “ما الذي يعسركِ؟ ممّ تعانين؟”
— “ياسين..”
— “ما بكِ؟!”
اهتز صوته.. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أسمع فيها نبرة الخوف في صوته.
فتحتُ الباب:
— “ادخل.”
رأى السرير، حامل الأدوية، أكياس المغذي، والزهور المجففة. ثم وقعت عيناه على الملف الموضوع على الطاولة.
تغيرت ملامحه تمامًا حين تمكّن من تمييز شعار مركز الرعاية الملطِفة.
— “لا..” كلمة واحدة، أشبه بالهمس.
— “ياسين..”
التقط الملف وفتحه. لم يستغرق الأمر سوى عشر ثوانٍ:
الشيء، التشخيص، الانتشارات، العلاجات الفاشلة، الرعاية الملطِفة.. قرأ كل شيء.
ثم رفع عينيه:
— “منذ متى؟”
— “ثلاث سنوات.”
سقط الملف من يديه:
— “ثلاث سنوات؟!”
أومأتُ برأسي:
— “تم تشخيصي بعد ثلاثة أيام من انفصالنا.”
بقي “ياسين” ساكنًا لدرجة أنه بدا وكأنه نسي كيف يتنفس:
— “لماذا لم تبحثي عني؟”
أطلقتُ ضحكة خافتة:
— “بحثتُ عنك.. لأشهر طويلة؛ اتصلتُ بزملائك، كتبتُ للمستشفيات، وسألتُ أصدقاءك القدامى.. لم يكن أحد يعلم أين أنت.”
انقبض فك “ياسين”:
— “أنا..”
— “لا يهم.”
— “بل يهم!”
— “لم يعد يهم الآن.”
حاول الاقتراب، فتراجعتُ للوراء. يبدو أن ذلك جرحه أكثر من أي كلمة.