جرعة تهدئة – محمد نور
بعد ثلاثة أيام من انفصالنا، اكتشف الأطباء الورم.
في البداية حاربتُ: جراحات، علاج كيماوي، علاجات تجريبية، ألمٌ لا يُطاق، تساقط لشعري، وليالٍ بطولها وأنا مستلقية بجوار المغسلة.
كانت هناك فكرة واحدة فقط تبقيني على قيد الحياة: أن أجد “ياسين”. كان طبيبًا، وفي أوج يأسي فكرتُ أنه إذا تمكنتُ من العثور عليه، فقد يستطيع إنقاذي. لكنه اختفى.. ولم أعلم عنه شيئًا لثلاث سنوات.
والآن، حين لم تعد تفصلني عن الموت سوى أيام معدودة، ها هو يقف أمامي.. حياً، وسيمًا، ومتزوجًا.
ركضت فتاة تتوشح بوشاح أحمر نحوَنَا:
— “ياسين، من هذه؟”
وقبل أن يجيب، مددتُ يدي:
— “إلينا.. كنتُ إحدى مريضات الدكتور ‘ياسين’.”
نظر إليّ “ياسين”، ولثانية واحدة رأيتُ شيئًا غريبًا في عينيه، لكنه سرعان ما اختفى.
قالت الفتاة بابتسامة مبهجة:
— “أنا ‘سارة’.. نحن نتجول في النرويج احتفالاً بزواجنا.”
أجبتُها: “تبدوان زوجين رائعين.”
وكنتُ أعني ما أقول؛ فقد كانت تفيض حياةً ونشاطًا، بينما أخبئ أنا تحت معطفي أنبوب المغذي الوريدي، ولا أملك سوى أسبوع واحد لأودع فيه هذا العالم.
بعد أن افترقنا، أضافتني “سارة” على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الليلة نفسها، ارتكبتُ خطأ النظر إلى صورها..
لقد زارا كل أماكننا الخاصة: الجبل الجليدي، الخليج، “ترومسو”، والشفق القطبي.
ثم وجدتُ منشورًا مثبتًا؛ كانت “سارة” و”ياسين” يتعانقان تحت الألعاب النارية، وكان التاريخ: 18 ديسمبر 2022.. اليوم الذي انفصل فيه “ياسين” عني تمامًا.
تابعتُ التمرير لأسفل، فأظهر أحدث منشور أيديهما متشابكة مع خاتمي الزواج، وكُتب تحته:
“قبل ثلاثة أعوام أخبرني أنه سيحاول أن يقع في حبي.. واليوم أستطيع أخيرًا القول إنه نجح في ذلك.”
شعرتُ بشيء ينكسر في داخلي.. إذن كان “ياسين” قادرًا على الحب، ولكنه لم يستطع حبّي أنا قط.
فجأة، بدأت الدماء تسيل من أنفي على الشاشة. دخلت صديقتي المقربة والممرضة “أمل” في تلك اللحظة:
— “‘إلينا’!”
حاولت إعطائي الأدوية، فدفعتُ يدها بعيدًا:
— “لم أعد أرغب في تناولها.”
— “ستعانين بدونها!”
نظرتُ إليها وابتسمتُ:
— “لم يعد يتبقى لي سوى أسبوع يا ‘أمل’.. لقد تعبتُ من المقاومة.”
بدأت تبكي، وبكيتُ أنا أيضًا.. لكن كلينا لم نكن نعلم بعد مدى قسوة القدر؛ ففي الصباح التالي، دخل الدكتور “جاسر” الغرفة شاحب الوجه تمامًا: