جرعة تهدئة – محمد نور
بعد عامين من الليلة التي طلبتُ فيها الموت، عدنا إلى “ترومسو”.. لا كمريضين، ولا كطبيب ومريضة، ولا حتى كشخصين يحاولان استعادة الماضي.
كنا مختلفين.. أكبر سنًا، أكثر تعبًا، وأكثر صدقًا.
تحت الشفق القطبي، أخرج “ياسين” ذلك الخاتم الأزرق الصغير مجددًا:
— “قبل سنوات، ظننتُ أن حبكِ يعني حمايتكِ حتى مني أنا..” هز رأسه نفيًا وتابع: “كنتُ مخطئًا.. حب شخص ما لا يعني القرار عنه، بل البقاء بجانبه بينما يقرر هو.”
غطت الدموع رؤيتي:
— “هل هذا عرض زواج؟”
— “أحاول أن أكون عميقًا!”
— “لقد أصبح أطول من اللازم.”
ضحك “ياسين”، ثم جثا على ركبتيه فوق الثلج:
— “إلينا.. هل تتزوجينني؟”
نظرتُ إليه.. فكرتُ في الفتاة ذات الثمانية عشر عامًا التي لاحقته لسنة وتسعة أشهر، وفي المرأة في منتصف العشرينيات التي تلقت تشخيصها بعد ثلاثة أيام من فقدانه، وفي المريضة التي عادت إلى النرويج مستعدة للموت.. كل أولئك النساء كنّ ما زلن يعشن بداخلي، وأجبن جميعًا في الوقت نفسه:
— “نعم.”
بعد عام، تزوجنا.
كانت “سارة” إشبيَنَتي، وبكت “أمل” قبل أن تبدأ المراسم، وأصر “جاسر” في نخب الزفاف على تذكير الجميع بأنه المسؤول تقنيًا عن وجود هذا الزفاف.. أما “ياسين”.. فقد بكى منذ اللحظة التي رآني فيها أسير نحوه.
حين وصلتُ إلى جانبه، همستُ له:
— “دكتور ياسين.. هذا تصرف غير مهني إطلاقًا!”
أمسك بيديّ وقال:
— “سيدة إلينا.. أنا غير مهني معكِ منذ سنوات.”
— “لستُ السيدة ‘الهواري’ بعد!”
— “أعطيني خمس دقائق.”
ضحكتُ.. وفي الخارج بدأت الثلوج تتساقط، الثلج نفسه الذي سقط في تلك الليلة في “أوسلو” حين كذبتُ وقلتُ إنني في شهر العسل.
حينها، كنتُ أظن أن القدر سمح لي برؤيته لمرة أخيرة قبل الموت.. لكنني كنتُ خاطئة؛ لم يكن ذلك لقاءنا الاخير، بل كان الأول في حياتنا الثانية.
وبعد سنوات، حين كان أحدهم يسألني عن اليوم الأكثر أهمية في حياتي، لم أكن أقول يوم زفافي أبدًا، ولا اليوم الذي أعلن فيه الأطباء أن العلاج يعمل.. بل كنتُ أفكر دائمًا في تلك الليلة الباردة من ديسمبر:
في الشارع المضاء،
في “ياسين” وهو يسير نحوي ممسكًا بيد امرأة أخرى،
في معطفي الذي يخفي مريول المستشفى،
وفي تلك الكذبة التي نطقتُ بها بابتسامة مكسورة: