جرعة تهدئة – محمد نور
نظرتُ إليه دون أن أستطيع التنفس:
— “لا.”
— “بلى.”
— “جعلتَني أترجاك لتمنحني الحب لخمس سنوات!”
— “لأنني كنتُ جبانًا..” أسنَد جبهته على يدي وتابع: “في البداية ظننتُ أنني أعتاد عليكِ فحسب، ثم بدأتُ أنتظر رسائلكِ، وأكره الليالي التي لا نلتقي فيها، وأتذكر كيف تشربين القهوة، وأتخيلكِ في كل قراراتي.. وعندما استوعبتُ أن هذا هو الحب، كان الخوف من فقدانكِ قد تملكني بالفعل.”
دموعه بللت أصابعي. أغلقْتُ عينيّ.. كانت هذه هي الكلمات التي انتظرتُها لقرابة عقد من الزمن، وقد جاءت حين لم تعد تفصلني عن الرحيل سوى أيام.
— “لقد جئتَ متأخرًا يا ياسين.”
انتحب قائلاً:
— “أعلم.”
***
5
في تلك الليلة، ساءت حالتي، وأصبح الألم غير مطاق، فرفع الأطباء جرعة المسكنات.
بقي “ياسين” جالسًا بجانبي.. وفي لحظة ما استيقظتُ لأجده ممسكًا بيدي:
— “اذهب إلى البيت..” همستُ.
— “لا أملك بيتك الآن.”
— “وسارة؟”
— “إنها في الفندق.”
— “ينبغي أن تنام.”
— “سأنام لاحقًا.”
ابتسمتُ بضعف:
— “دائمًا تقول ذلك.”
ابتسم هو الآخر.
للحظة خاطفة، عدنا كما كنا.. طالبين شابين في مستشفى نرويجي، بلا تشخيصات، وبلا وداع.
سألتُه:
— “هل تتذكر ‘ترومسو’؟”
— “كل ثانية فيها.”
— “يا لك من كاذب! لقد نمتَ في الحافلة.”
— “أتذكر ذلك أيضًا.”
— “قلتَ إن الشفق القطبي مبالغ فيه.”
— “كنتُ أحاول إبهاركِ فقط.”
— “ولم تنجح أبدًا.”
ضحك، وضحكتُ معه.
ثم عاد الألم، فأغلقتُ عينيّ حتى مضت الموجة. وحين فتحتهما مجددًا، كان “ياسين” يبكي من جديد.
— “لا تنظر إليّ هكذا.”
— “كيف؟”
— “وكأنني ميتة بالفعل.”
— “لا أعرف كيف أنظر إليكِ.”
— “كما كنتَ تفعل سابقًا.”
مسحت يده شعري ببطء:
— “سابقًا.. كنتُ أنظر إليكِ وأنا أظن أنني أملك العمر بأكمله لأستمر في ذلك.”
تلك الجملة مزقتني.
***
6
في الصباح التالي، جمع “ياسين” عدة أطباء متخصصين؛ راجعوا ملفي، أعادوا الفحوصات، وقارنوا الدراسات.. كنتُ أعرف تلك الروتينيات، كانت الأمل نفسه برداء مختلف.
بعد ساعات، طلب “جاسر” الحديث مع “ياسين” خارج الغرفة. لم أكن بحاجة لسماعهما، فكنتُ أعلم ما سيقولانه.
عاد “ياسين” بعد عشرين دقيقة وجلس:
— “لا يوجد شيء، أليس كذلك؟”