الترقية – محمد نور
ثم فتح الفريق أول ملفاً أمامه.
«هل تتفضل مريم بالتقدم إلى الأمام؟»
التفتت مئات الوجوه نحوي.
وضعت أمي يدها على فمها من الصدمة، وخفضت عمتي عائشة كاسها، وكادت سارة أن تسقط هاتفها.
أما طارق، فكتفى بالحدوق بي في ذهول.
وأثناء سيري نحو المنصة، بدت كل همسة من خلفي وكأنها تلتشي تحت صوت خطواتي.
مد الفريق أول عبد الرحمن يده.
وقال بصوت عالٍ ليسمعه كل من في القاعة: «يا مريم، لقد بقيت خدمتك سريّة ومكتومة لفترة طويلة بما فيه الكفاية».
وظهرت علبة مخملية بجانبه.
وبداخلها كانت تلمع نجمة القيادة.
حينها فقط فهم طارق ما يحدث.
الأخت الهادئة التي قضا سنوات يعاملها كفاشلة لم تكن متأخرة عنه…
بل كانت قد ارتفعت إلى مكانة تتجاوزه بمراحل.
وبالنظر إلى ملامح وجهه، كان طارق يعلم بالفعل أن الحقيقة التي على وشك أن يكشفها القائد العام ستغير عائلتنا إلى الأبد.
لم تكن المؤلم في الأمر أنهم أساؤوا تقييمي وظلموني…
بل كان الإدراك المُرّ بأنهم لم يكلفوا أنفسهم يوماً عناء السؤال عما أصبحت عليه.
الجزء الثاني
وقع الاسم عليّ كالصدمة.
يوسف.
لقد حضرت جنازته بنفسي.. وقفت تحت المطر بينما كان حرس الشرف يطوون العلم.. وقضيت ثلاث سنوات وأنا أقنع نفسي بأنه رحل عن هذا العالم.
والآن، يقف عند بوابة المقر يطلب رؤيتي!
أتاني صوت أمي من مكان بعيد: «مريم؟ من يكون يوسف هذا؟»
لم أستطع إجابتها.. لم تسمع بهذا الاسم من قبل، فلم أخبر أحداً عنه قط.
قال العقيد ماجد بحذر: «سعادة الفريق مريم.. هل أنتِ بخير؟»
جبرت يديّ على التوقف عن الارتجاف: «لا ينبغي له أن يكون حياً».
حدق بي طارق وتساءل: «من هو؟»
كانت القاعة تنتظر إجابة لا أعرف كيف أقدمها، ليتدخل الفريق أول عبد الرحمن: «ربما يجدر بنا إنهاء الحفل أولاً قبل مناقشة الأمر».
قاطعتُه بجزم: «لا.. سيدي، أحتاج لرؤيته الآن».
فاجأت كلماتي الجميع، فنظر إليّ القائد لبرهة ثم قال: «مريم، إن كان أمره قد كُشف أو تعرض للاختراق…»
«لقد انقطعت أخباره منذ اثنتي عشرة سنة، ولن يتغير شيء في الساعة القادمة».
تبادل العقيد ماجد والقائد النظرات؛ لم يفهما الأمر.. لم يكن يوسف خطراً على المهمة، بل كان خطراً على الرواية المتماسكة التي بنيتها حول نفسي طوال سنوات.. الرواية التي تدعي أنني تجاوزت الماضي، وأن عائلتي لا تحتاج لمعرفة أي شيء لأنه لا يوجد شيء ليُعرف أصلاً.