الترقية – محمد نور

غيرته السنون؛ ظهرت تجاعيد جديدة على وجهه، وخالط الشيب صبغته، وصار أنحل وأقسى مما أذكر.. لكن عينيه هما كالمعتاد: هادئتان، وثابتتان عليّ مباشرة.

ترجلتُ من السيارة ولم يتحرك هو.

قال بصوت خفيض: «مريم..»

أحدث صوت اسمه شرخاً في داخلي: «يوسف.. تبدو كأنك لست أنت».

«وهل توقعتِ أن تريني بشكل آخر؟»

«توقعتُ أن تكون ميتاً».

ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه: «الأمور ليست دائماً كما تبدو عليه، وأنتِ تعرفين ذلك أكثر من غيرك».

تقدم طارق مستفسراً: «أنا طارق.. أخوها».

قيمه يوسف بسرعة: «أعرف من تكون».

«هل ينبغي أن أسرّ بذلك؟»

«يعتمد ذلك على ما تعرفه».

حنحن العقيد ماجد: «سيد يوسف، أحتاج للتحقق من هويتك».

سلم يوسف محفظته، وفحصها ماجد بعناية: «هذا وثيقة سفر مدنية.. لا تثبت شيئاً عن خدمتك».

«أعلم، لكنها تثبت أنني موجود».

تطلعتُ إلى الهوية وقلت: «لستَ في الخدمة الفعلية.. أليس كذلك؟ غبت عن الأنظار اثنتي عشرة سنة والآن تظهر فجأة؟»

تلاشت ابتسامة يوسف وقال وهو يقترب: «ظهرتُ لأنني بحاجة لمنعكِ من ارتكاب خطأ.. الرسالة التي بخط والدك، ووحدة التخزين، والملفات المعدلة.. كلها مرتبطة ببعضها. وإذا قرأتِ تلك الرسالة قبل أن تفهمي معناها، فستسلكين طريقاً قد يدمر كل ما بنيتِه».

سحب طارق الرسالة من جيبه: «كيف تعرف بأمر الرسالة؟»

نظر إليه يوسف بثبات: «لأنني أنا من كتب تلك التعليمات! والدك كان رجلاً طيباً يا مريم، لكنه وجد شيئاً لم يكن ينبغي له العثور عليه، وقضى سنوات يحميكِ منه».

— «يحميني من ماذا؟»

أخرج يوسف صورة مطوية من معطفه.. أربعة أشخاص يقفون بجانب طائرة نقل. كنتُ فيها في الخامسة والعشرين، ملئ بالحيوية والأمل، وبجانبي يوسف، وإلى جواره رجل لم أتعرف عليه إلا بصعوبة.. كان يشبه نسخة أصغر سناً من أبي!

قال يوسف بصوت خفيض: «هذا هو السبب في أنه قيل لكِ إنني مت».

حدقتُ في الصورة بذهول: «هذا غير ممكن.. أبي لم يخدم في الجيش أبداً!»

«صحيح، لم يكن عسكرياً.. بل كان هو المصدر. كان يعمل في الاتصالات، وشركته لها عقود مع شبكات دولية كنا نشتبه في أنها تمرر حركة بيانات سرية لصالح استخبارات أجنبية.. النجم الشمالي 7 لم تكن مجرد عملية، بل كانت شبكة مصادر، وكان والدك أحد أهم مصادرنا، وكنتُ أنا الضابط المسؤول عنه».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *