مهندسة انتقامها – محمد نور

 

ابتسمت له بدورها، ورفعت صدرها بفخر، وكأن نجاحه العسكري ملك لها شخصياً.

 

ثم واصلت عيناه التحرك على طول الصف.

 

حتى وصلتا إليّ.

 

توقفتا عندي.

 

لجزء من الثانية بقيت ابتسامته في مكانها.

 

ثم أومأ لي إيماءة قصيرة متعالية، إيماءة المنتصر تجاه المهزوم.

 

لكن عينيه واصلتا الهبوط ببطء على بزتي البيضاء الناصعة.

 

حتى توقفتا فجأة عند قدمي.

 

عند الحقيبة.

 

لم تكن حقيبة عسكرية عادية.

 

كانت حقيبة جلدية قديمة مخصصة لحمل الملفات، ذات قفل نحاسي معتّق مميز.

 

وكانت الحقيبة نفسها التي كانت تخص قائدنا السابق في أفغانستان.

 

الحقيبة التي سرقها سامر لإخفاء أوامر الشراء المزورة.

 

الحقيبة التي أقسم أمام لجنة التحقيق أنها ضاعت خلال كمين استهدف قافلة عسكرية.

 

راقبته.

 

وشاهدت اللحظة التي غادرت فيها الروح جسد سامر العبدالله.

 

انسحب الدم من وجهه بسرعة مذهلة، فتحول لون بشرته إلى رمادي شاحب ومريض.

 

اختل وقوفه للحظة.

 

وانخفض كتفاه جزءاً بسيطاً، وكأن صدمة غير مرئية ضربته بقوة.

 

انتقلت عيناه بجنون بين الحقيبة ووجهي، يبحث عن أي علامة تقول له إن الأمر مجرد مصادفة.

 

لكنني لم أبتسم.

 

ولم أشمت.

 

اكتفيت بالنظر إليه.

 

وتركت يقين نهايته البارد يتسلل إليه.

 

كان يعرف.

 

بدا عليه الذهول بدرجة جعلت حتى مريم تلاحظ الأمر.

 

انحنت إلى الأمام، وعقدت حاجبيها بحيرة، ثم رفعت يدها المرتبة بعناية نحو عنقها.

 

همست لأمي:

 

— هل سامر بخير؟

 

ثم أضافت:

 

— يبدو وكأنه سيسقط مغشياً عليه.

 

ردت أمي وهي تحرك برنامج المراسم أمام وجهها كأنها تحاول دفع الحرارة:

 

— إنها الحرارة يا عزيزتي. لقد كان يعمل بجد طوال الفترة الماضية.

 

على المنصة، أنهى اللواء فارس كلمته.

 

ثم عاد رئيس المراسم إلى الميكروفون، وهو يحمل بين يديه ملفاً سميكاً من الجلد الأحمر.

 

قال:

 

— سيداتي وسادتي، إن مراسم تسليم القيادة العسكرية تقليد يحمل رموزاً عميقة. فهي تضمن ألا تبقى الوحدة وجنودها يوماً واحداً من دون قيادة رسمية، وتضمن استمرار الثقة، وتجسد عهد الولاء للقائد القادم.

 

توقف لحظة وقلب إحدى صفحات الملف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *