الكنبة – محمد نور

ولأول مرة منذ وقت طويل، أجبته بكل راحة:

— معك حق، لم يعد من شأني.

ألمته هذه الكلمة كثيرًا.

طوال أشهر، كان يستخدم كلمة “عائلة” ليحملني مسؤولية أخطائه، بينما كانت مطالبتي بحدودي تُعامل كأنانية.

الآن، أصبحت ديونه ملكًا له وحده.

خفض سعيد صوته وقال بنبرة انكسار:

— ليلى.. يمكننا إصلاح كل شيء. تظل أمي هنا أسبوعًا، وأنا سأبحث عن عمل وأعوضك عما صرفته.

— لا.

— أنتِ لا تفكرين بعقلك!

— بل فكرت لشهور دون أن أشعر.. في كل مرة كنت أطلب منك دفع مصاريفك فتغضب، وفي كل مرة كانت أمك تدخل بيتي دون استئذان، وفي كل مرة كنت تنعت المرأة التي تنفق عليك بـ “المادية”.. كل تلك الملاقف كانت إجابات متراكمة.

جلس سعيد على الكنبة.

ولأول مرة، اختفت منه نبرة التعالي، وبدا مكسورًا ومجهدًا.

— لم أظن أننا سنصل إلى هنا.

— ولا أنا.

وكان هذا هو الجزء المحزن حقًا.

لم تكن كل أيامنا سيئة، كان هناك وقت يضحكني فيه، وسافرنا معًا بالسيارة إلى العلا، وطبخنا في أيام الإجازات، وعندما توفي والدي، ظل ممسكًا بيدي لساعات.

لكن الذكريات الطيبة لا تسدد ديون الاحترام، ولا تحول الاستغلال إلى حب.

أعطيته مهلة ليجمع أغراضه. دخلت المطبخ وأعددت القهوة، وأنا أستمع لقعقعة الحقائب والمشادات الخفيفة بينه وبين أمه.

أصرت أم خالد على أخذ الكنبة أولاً:

— هذه لي على أي حال!

— تفضلي، خذيها.

ساعدهما شقيقي ومسؤول العمارة في إدخالها المصعد. كانت ضخمة جدًا واضطروا لإمالتها، فخدشت إحدى أرجلها أرضية الممر مجددًا.

وعندما اختفت الكنبة، شعرت وكأن ثقلاً أعظم من الأثاث قد أزيح عن صدري.

خرج سعيد بعدها يحمل حقيبتين، وحقيبة ظهر، وجهاز الألعاب الخاص به.

وقف عند الباب قبل أن يخرج وقال:

— ستندمين.. ستعودين يومًا ولن تجدي أحدًا بانتظارك.

— اليوم عدت ووجدت شخصين، ولكنني كنت أشعر بأنني وحيدة تمامًا.

لم يرد.

وضع نسخته من المفاتيح على الطاولة عند المدخل وغادر مع أمه.

في الصباح التالي، وبعد الحديث مع المحامية وإرسال إشعار رسمي بكيفية استلام بقية متعلقاته، غيرت قفل الباب.

لم أحظر رقمه، بل فضلت الاحتفاظ بالرسائل.

في البداية أرسل إهانات، ثم عتابًا، ثم وعودًا:

«سأتغير»

«أمي هي السبب»

«أعطني فرصة أخرى»

وبعد ثلاثة أيام، وصلتني الرسالة التي اختصرت طبيعة علاقتنا تمامًا:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *