الكنبة – محمد نور

بينما أهداني هو يومها ثلاث وردات ذابلة من السوبرماركت.

لم أحدث ضجة. غيرت كلمة السر، خفضت حد البطاقة الإجمالي، وتوقفت عن دفع ثمن نزواته.

وحين رفضت البطاقة عمليات السداد في إحدى المحطات، اتصل بي غاضبًا:

— لقد أحرجتني!

— ادفع من جيبك.

— أنت امرأة مهووسة بالمال.

— لست مهووسة، بل أنا من يكسبه.

ومنذ ذلك اليوم، زاد الطين بلة.

كانت أم خالد تتصل باستمرار: ظهرها يؤلمها، السخان يصدر صوتًا، الصنبور يقطر. وفي إحدى الليالي، طلبت مني الذهاب لتنظيف حمامها لأن السباك ترك خلفه “فوضى عارمة”.

رفضت.

بعد أسبوعين، عدت من العمل في التاسعة مساءً لأجد أم خالد مستلقية على أرائكي، وتضع قدميها الملفوفتين بشال على طاولة القهوة.

قال سعيد معلنًا:

— ارتفع ضغط أمي، ستطوي عندنا أيامًا وتنام في غرفتنا.

— بيتها يبعد عشرين دقيقة فقط.

تنهدت أم خالد بدلال:

— إن كنت ثقيلة عليكما، سأذهب لأموت وحدي في بيتي.

— ليلى، أعدي لها شايًا، ونظفي الممر، لقد سكبت أمي دواءها.

— نظفه أنت.

اقترب مني محتدًا:

— نعم؟ ماذا قلت؟

— لست خادمتك ولا خادمة أمك.

عندها نطق بالعبارة التي قطعت الشك باليقين، وكسرت شيئًا كان يتصدع منذ أشهر:

— إما أن تذهبي الآن فورًا لتنظيف شقة أمي حتى تعود إليها وهي مرتاحة… أو أطلب الطلاق غدًا.

نظرت إليه لثوانٍ.

ثم ابتسمت.

— حسناً، أعطني مفاتيح شقتها.

ابتسم سعيد بنصر وتمكين:

— هذا هو الكلام الصواب، حان الوقت لتعرفي حجمك.

أخذت المفاتيح وخرجت.

ظن أنني انحنيت له أخيرًا.

ولم يكن لديه أدنى فكرة عما كنت على وشك اكتشافه خلف باب أمّه.

الجزء الثاني

لم تكن شقة أم خالد تبدو كبيت امرأة مريضة لا تستطيع الانحناء لمسح الأرضية.

بل كانت تبدو كشقة جاهزة تمامًا للإيجار.

كانت تفوح منها رائحة الطلاء الجديد، والأرضية تلمع، والحمام نظيف للغاية دون أي أثر لتسريب أو للفوضى التي زعمت أن السباك تركها.

وعلى الطاولة، كانت هناك منشورات وإعلانات لمكتب عقاري.

في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

كانت امرأة تحمل بطاقة تعريفية وجهازًا لوحيًا.

— مساء الخير، أنا هناء من المكتب العقاري. جئت لالتقاط الصور الأخيرة.. هل انتهت خالة أم خالد من الانتقال؟

شعرت بغصة وحرقة في معدتي.

— الانتقال؟

ارتبكت المرأة وقالت:

— نعم، قالت إنها تنتقل للعيش مع ابنها لأجل غير مسمى. الشقة حُجزت بالفعل، والمستأجرون الجدد سيتسلمونها يوم الاثنين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *