اختفت أخت زوجي بعدما خرجت وهي ترتدي فستاني الأحمر، واتهمتني حماتي أمام الجميع قائلة: «هي أصلًا كانت بتكره بنتي! فتشوا موبايلها!» لم أجبها. قدمت فقط الإيصال الذي يثبت أين كنت في ذلك الوقت، واحتفظت لوقت لاحق بتسجيل أخطر بكثير. لأن المرأة التي كانت تشير إليّ باعتباري المذنبة، كانت هي نفسها التي دبرت عملية الاختطاف... حتى تسكت سرًا عائليًا عمره خمسة وثلاثون عامًا. --- —إزاي إنتِ هنا؟! مستحيل... كان المفروض يكونوا أخدوك خلاص! سقط الفنجان من يد حماتي لحظة رأتني أدخل الشقة وأنا أحمل كيسين من مشتريات السوبر ماركت. ارتطم الفنجان بأرضية الرخام، فدوّى صوت تحطمه في أنحاء الصالة. توقفت في مكاني. —بتتكلمي عن إيه يا خديجة؟ كنا نعيش في شقة فاخرة في مصر الجديدة، وهي شقة مملوكة لعائلة زوجي طارق. وطوال سبع سنوات، تحملت تدخل والدته في كل تفاصيل حياتي. كانت تفتش مشترياتي، وتنتقد ملابسي، وتسألني عن المبلغ الذي أنفقته، حتى عندما أشتري كيلو طماطم. ولهذا السبب كنت أحتفظ بالإيصال مطويًا داخل جيب سترتي. لكن في ذلك المساء، لم تكن خديجة غاضبة بسبب مصاريفي. كانت مرعوبة لأنها رأتني أمامها... حية. شحب وجهها. ومن دون أن تجيبني، أمسكت بهاتفها الذي كان قد بدأ يرن للتو، ثم أسرعت إلى الشرفة. شعرت بشيء في داخلي يخبرني ألا أتحرك. تراجعت واختبأت خلف جدار الممر، ثم بدأت أستمع. —إنتوا أخطأتوا في الست! —همست بغضب— أنا قلت لكم بوضوح إنها هتخرج بفستان أحمر... الست اللي أخدتوها دي بنتي! شعرت بقدميّ ترتخيان تحتي. سارة. أخت زوجي كانت قد خرجت ذلك الصباح وهي ترتدي، من دون إذني، الفستان الأحمر الذي اشتريته لأرتديه في عشاء خاص. واصلت خديجة حديثها: —أنا عايزة سارة ترجع لي. هادفع لكم اللي تطلبوه... بس أوعوا تأذوها! التانية خلاص مش مهمة. أما مرات ابني، فبعد كده نشوف هنعمل معاها إيه. أخرجت هاتفي وبدأت التسجيل. حماتي كانت قد استأجرت أشخاصًا لاختطافي. لكن بسبب خطأ منهم، اختطفوا ابنتها هي. وعندما انتهت المكالمة، عادت خديجة إلى الصالة، فوجدتني واقفة والهاتف مرفوع في يدي. تغيرت ملامحها فجأة. —إنتِ بتعملي إيه؟ —بسجل. اقتربت مني بسرعة. —هاتي الموبايل! نظرت إليها بثبات. —إنتِ كنتِ عايزة تخليهم ياخدوني ليه؟ حاولت خديجة انتزاع الهاتف من يدي، وأمسكت بمعصمي بقوة، لكنني تمكنت من الإفلات منها وركضت إلى غرفة النوم. أغلقت الباب بالمفتاح. —افتحي فورًا! —صرخت وهي تضرب الباب بعنف— إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي مع مين! كنت على وشك الاتصال بالشرطة عندما رأيت شيئًا فوق خزانة ملابسي. ظرفًا بني اللون. الصندوق الذي كنت أخبئ فيه أوراقي كان مفتوحًا. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. كان داخل ذلك الظرف تقرير تحليل DNA حصلت عليه قبل عشرة أيام. بدأ كل شيء عندما رافقت طارق لإجراء بعض الفحوصات الطبية. وأثناء مراجعة ملفه الطبي، ظهرت بالخطأ بعض التحاليل القديمة الخاصة بوالده محمود. وعندما قارنت بعض البيانات الطبية، اكتشفت أن هناك شيئًا لا يتطابق. بدا لي الشك سخيفًا. إلى أن قررت إجراء تحليل خاص بنفسي. وكانت النتيجة حاسمة: طارق لم يكن الابن البيولوجي لمحمود. لم أخبر أحدًا. كنت أعتقد أنني سأحتفظ بهذا السر إلى الأبد. لكن خديجة دخلت غرفتي، وفتشت أغراضي، وعثرت على الظرف. عندها فهمت لماذا كانت تريد التخلص مني. لم يكن الأمر بسبب المال. ولم يكن لأنها تكرهني. بل لأنني كنت أعرف السر الذي يمكن أن يدمر زواج حماتي وحماي الممتد منذ خمسة وثلاثين عامًا، ويغير مستقبل طارق إلى الأبد داخل شركة العائلة. —سلمى! —صرخت خديجة من خلف الباب— لو ما اديتينيش الموبايل، هتندمي! في تلك اللحظة رن هاتفها مرة أخرى. توقفت الضربات على الباب. سمعت خطواتها تبتعد. —عايزين كام؟ —قالت عندما ردت على المكالمة— أنا مش معايا المبلغ ده دلوقتي... محمود هو اللي مسيطر على الحسابات. ادوني يومين. هجيب الفلوس بأي طريقة. التقطت صورًا لنتيجة تحليل الـDNA، وحفظت الفيديو على مساحة تخزين إلكترونية، ثم أرسلت نسخة منه إلى بريد إلكتروني لا تعرف خديجة بوجوده. وبعد دقائق، رن جرس الباب. كان هناك اثنان من رجال المباحث أمام الشقة. قالوا إنهم عثروا على حقيبة، وحذاء، وهاتف سارة بالقرب من أحد الشوارع الرئيسية. ظننت أنني أخيرًا سأتمكن من قول الحقيقة. لكن خديجة جثت على ركبتيها أمامهما وبدأت تبكي. —هي السبب! —قالت وهي تشير إليّ— مرات ابني هي اللي عملت كده! سلمى بتكره بنتي، ومن كام يوم كانت بتهددها! تجمدت في مكاني. وفي تلك اللحظة وصل طارق. ركضت والدته نحوه واحتضنته. —مراتك هي اللي أمرت بخطف أختك! نظر إليّ طارق وكأنني امرأة غريبة عنه. —قولي لي إن الكلام ده مش حقيقي. أجبته: —أمك كانت عايزة تخطفني أنا. أطلق ضحكة مريرة. —أمي؟! وليه تعمل حاجة زي دي؟ —لأني اكتشفت حاجة هي مش عايزة حد يعرفها. وضعت خديجة يدها على صدرها وبدأت تتظاهر بأنها لا تستطيع التنفس. ركض طارق نحوها. ثم استدار ناحيتي. —لو حصل لسارة أي حاجة، عمري ما هسامحك. بكرة هكلم محامي. أنا عايز أطلقك. نظرت إلى الرجل الذي شاركته سبع سنوات من حياتي. لم يسألني حتى عن الأدلة التي أملكها. جمعت حقيبة صغيرة، وخلعت خاتم زواجي ووضعته فوق خزانة الملابس، ثم غادرت. لكنني لم أذهب إلى منزل أي صديقة. في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مقر شركة محمود في مدينة نصر، وكان الفيديو الذي سجلته لزوجته ونتيجة تحليل الـDNA داخل حقيبتي. وعندما انتهى محمود من مشاهدة الفيديو وقراءة النتيجة، فهمت من ملامح وجهه أن تلك العائلة كانت على وشك الانفجار بطريقة لم يكن أحد يتخيلها. شغّل محمود التسجيل ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة، لم يعد يبدو غاضبًا. بل بدا محطمًا. —إنتِ بتقولي إن خديجة استأجرت ناس عشان ياخدوك، لأنك اكتشفتي الموضوع ده؟ دفعت نتيجة تحليل الـDNA فوق مكتبه. قرأها ببطء. وعندما وصل إلى النتيجة، خلع نظارته. —أنا ربيت طارق على إنه ابني لمدة خمسة وثلاثين سنة. لم أعرف ماذا أقول. قلت له: —كنت ناوية أسكت. عمري ما كنت عايزة أستخدم الموضوع ده ضد أي حد. لكن مرات حضرتك لقت التحاليل، وافتكرت إني ممكن أقول الحقيقة. اتجه محمود نحو النافذة. —أنا عايز أرجع البيت دلوقتي. —لو رجعت واتهمتها، هتنكر كل حاجة. نظر إليّ. —إنتِ عايزة تعملي إيه؟ —هي بتحاول توفر فلوس عشان ترجع سارة. لو فعلًا استأجرت الناس دول، هتضطر تتواصل معاهم تاني. حاول تعرف مين بتكلمه ومنين بتحاول تجيب الفلوس. ظل محمود صامتًا لعدة ثوانٍ. ثم اتصل بمسؤول الأمن في شركته. لم يأمر بتهديد أحد أو بمطاردة أي شخص. طلب فقط مراجعة التحركات المالية بشكل قانوني، ومراجعة صلاحيات الدخول إلى الشركة، والسجلات المرتبطة بالحسابات الموجودة باسمه. أما أنا، فكنت سأقدم التسجيل الذي بحوزتي إلى النيابة. لكن قبل ذلك، كنت أريد أن أمنع خديجة من التخلص من أي دليل. وفي عصر اليوم نفسه، عدت إلى الشقة متظاهرة بأنني لا أملك مكانًا آخر أذهب إليه. فتح طارق الباب. —إنتِ بتعملي إيه هنا؟ —محتاجة أقعد ليلة واحدة. ظهرت خديجة خلفه. نظرت إليّ باحتقار. —سيبها —قالت— أنا عايزة أشوفها لما ييجي الوقت وتدفع تمن اللي عملته. قضيت ثلاثة أيام تقريبًا داخل غرفة الضيوف، ولم أكن أخرج منها إلا قليلًا. وخلال تلك الفترة، أجرت خديجة عشرات المكالمات. طلبت قروضًا. وحاولت بيع بعض استثماراتها. لكن محمود كان قد أوقف بالفعل عمليات مالية مهمة من الحسابات المشتركة. وفي مساء اليوم الرابع، سمعنا طرقًا عنيفًا ومتواصلًا على الباب. وعندما فتح طارق، سقطت سارة تقريبًا بين ذراعيه. كانت متسخة، حافية القدمين، ومرعوبة... لكنها كانت حية. —ماما! ركضت خديجة نحوها وهي تبكي. حكت سارة أنهم أبقوها محتجزة، وأن خاطفيها كانوا يتشاجرون باستمرار لأنهم «ارتكبوا خطأ». كنت أراقب من المطبخ عندما رفعت خديجة عينيها نحوي. تغيرت ملامحها. —دلوقتي بقى —قالت— بنتي رجعت. خلاص، ما بقاش عندك مخرج. تقدم طارق نحوي. —شفتي أختي رجعت إزاي؟ ولسه هتفضلي تعملي نفسك مش عارفة حاجة؟ وقبل أن أتمكن من الرد، فُتح الباب. دخل محمود. —كلكم على الصالة. لم يصرخ. ولم يكن بحاجة إلى ذلك. جلسنا جميعًا. أعطى محمود إشارة. وصلت هاتفي بشاشة التلفزيون. وانتشر صوت خديجة في أرجاء الغرفة: «قلت لهم إن اللي لابسة الفستان الأحمر هي مرات ابني.» توقفت سارة عن التنفس للحظة. ثم جاء صوت خديجة مرة أخرى: «رجعوا لي بنتي. التانية خلاص مش مهمة. وبعد كده نشوف هنعمل إيه معاها.» —اقفليه! —أمرت خديجة. لكن لم يتحرك أحد. نظرت سارة إلى والدتها. —هما أخدوني عشان كنت لابسة فستان سلمى؟ فتحت خديجة فمها. لكن لم تخرج منها كلمة واحدة. —ردي عليّ! وضع محمود ظرف تحليل الـDNA فوق الطاولة. أمسكه طارق. في البداية عقد حاجبيه. ثم فقد وجهه كل لون. —يعني إيه الكلام ده؟ أجابه محمود: —يعني أنا مش أبوك البيولوجي. نهض طارق بعنف. —ده كذب! —ممكن نعيد التحليل بكرة في أي معمل تختاره. بدأت خديجة في البكاء. —محمود، أرجوك... —مين أبو طارق؟ خفضت رأسها. وكان ذلك الصمت هو الاعتراف. استدار طارق نحو والدته. —إنتِ كنتِ عارفة؟ —كنت عايزة أحميك. أطلق محمود ضحكة مريرة. —لأ. إنتِ كنتِ عايزة تحمي كذبتك. وأخرج عدة مستندات من حقيبته. كان قد ألغى الصلاحيات الإدارية الخاصة بطارق داخل الشركة مؤقتًا، لحين مراجعة بعض العمليات، كما عدّل الترتيبات التي كان ينوي القيام بها مستقبلًا بشأن أسهمه. —يا بابا، أنا ماليش دعوة بأي حاجة! —يمكن ما لكش دعوة بولادتك. لكنك قررت تدين مراتك من غير ما تسمعها. استدار طارق نحوي. —سلمى... أنا كنت في حالة يأس. أخرجت من حقيبتي أوراق الطلاق التي كان هو نفسه قد طلب تجهيزها. —إنت كنت عايزني أمضي عليها امبارح. —ممكن نتكلم. —إنت اتكلمت خلاص لما قلت لي إنك لو حصل لسارة حاجة هتدمرني. وقعت على الأوراق. اندفعت خديجة نحوي بالصراخ. —إنتِ اللي خربتي العيلة دي! نظرت إليها للمرة الأخيرة. —لأ. أنا اكتشفت سر. إنتِ اللي قررتي تحولي السر لجريمة. أمسكت حقيبتي. وقبل أن أخرج، تحدثت سارة من فوق الأريكة بصوت مرتجف: —ماما... لو سلمى كانت لبست فستان تاني اليوم ده، كانت هي اللي هتتخطف بدل مني وتقضي أربع أيام محتجزة. أغمضت خديجة عينيها. ولأول مرة، بدا أنها أدركت حجم ما فعلته. غادرت وأنا أعتقد أن كل شيء انتهى. لكنني لم أكن أعرف أن خديجة ستعود للبحث عني بعد ستة أشهر. وفي تلك المرة، لم تكن تريد استعادة سرها فقط. كانت تريد الانتقام. الجزء الثالث بعد ستة أشهر، كنت أقدم القهوة أمام البحر في الإسكندرية. كنت قد عدت للعيش مع أمي، عائشة، وبجزء من المال الذي حصلت عليه بشكل قانوني بعد انتهاء زواجي، استأجرت محلًا صغيرًا بالقرب من الكورنيش. حوّلناه إلى مقهى. لم يكن فاخرًا. لكنه كان ملكي. لسنوات طويلة عشت في منزل كنت أشعر فيه أنني بحاجة إلى إذن حماتي حتى أتنفس. أما في الإسكندرية، فكنت أستيقظ قبل شروق الشمس، وأعد مع أمي المخبوزات، وأفتح النوافذ، وأستمع إلى صوت البحر. ولأول مرة منذ سنوات، كنت أنام مطمئنة. كان محمود لا يزال يتصل بي من وقت لآخر. وكان التحقيق في قضية اختطاف سارة قد تقدم كثيرًا. التسجيلات التي سلمتها للنيابة ساعدت في إثبات أن خديجة تواصلت مع أشخاص يعملون في الخفاء من أجل «تخويفي وإبعادي لبضعة أيام»، حتى تتمكن من استعادة المستندات. لكن بعد الخطأ الذي وقع مع سارة، حاول أولئك الأشخاص تحويل الأمر إلى عملية ابتزاز. وفي النهاية، وجدت خديجة نفسها عالقة مع الأشخاص الذين استعانت بهم. وخلال سير القضية، فقدت مكانتها في منزل محمود. كما خرج طارق من الشركة. وليس لأن محمود اكتشف أنه لا يحمل دمه فقط، بل لأن مراجعة حسابات الشركة كشفت مصروفات وقروضًا شخصية وقرارات اتخذها مستغلًا منصبه داخل شركة العائلة. بدأ طليقي يتصل بي. في البداية كان يطلب أن نتحدث. ثم بدأ يطلب السماح. وأخيرًا أرسل لي رسالة قال فيها: «أنا كمان كنت ضحية لأمي.» لم أرد. فهناك فرق كبير بين أن تكون ضحية لخداع أمك، وبين أن تقرر تدمير زوجتك من دون أن تسمعها. أما سارة، فكانت أكثر من دفع ثمن كل ما حدث. أصبحت تعاني من نوبات قلق، وخوف من الأماكن المغلقة، ونوبات هلع كلما رأت سيارة تشبه السيارة التي استخدمها الخاطفون. لم ألقِ عليها اللوم يومًا. نعم، كانت قد أخذت فستاني من دون إذن. لكن لا أحد يستحق ما حدث لها. وفي أحد أيام أكتوبر، وبينما كنا نستعد لإغلاق المقهى، لاحظت سيارة متوقفة على الجانب الآخر من الشارع. لم أعطها أهمية. وفي اليوم التالي كانت السيارة موجودة مرة أخرى. وبعد يومين دخل ثلاثة رجال إلى المقهى. طلبوا القهوة، وظلوا يراقبون المكان، ثم غادروا من دون أن يكملوا مشروباتهم. قالت أمي: —أنا مش مرتاحة لهم. —وأنا كمان. وفي تلك الليلة اتصلت بمحمود. —ممكن أكون بتخيل، بس فيه ناس بيراقبوا المحل. تغير صوته. —ما تتجاهليش الموضوع. كلمي الشرطة. فعلت. ولم يحدث شيء خلال ذلك الأسبوع. بدأت أعتقد أننا بالغنا في القلق. حتى جاء يوم الخميس. كان يتبقى عشرون دقيقة على موعد إغلاق المقهى عندما سمعنا صوت ارتطام عنيف. تحطم أحد الواجهات الزجاجية. صرخت أمي. ودخل عدة رجال إلى المكان. كان الرجل الذي يتقدمهم في حوالي الستين من عمره، شعره رمادي، وملامحه قاسية، وعلى ساعده وشم قديم. لم يأتوا لسرقة النقود. بدأوا في تحطيم الطاولات والأرفف. صرخت: —إنتوا بتعملوا إيه؟! أشار الرجل إلى المكان. —محل جميل. —مين اللي بعتكم؟ ابتسم. —حد بيقول إنك سرقتِ منه كل حاجة. انقبضت معدتي. —خديجة. لم يؤكد الرجل كلامي. لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. وضع ورقة فوق المنضدة. كان عليها رقم هاتف. —الفلوس اللي أخدتيها مش من حقك. ترجعيها وتروحي تعتذري. ولو ما عملتيش كده، المرة الجاية مش هتكون عشان نكسر أثاث. نظر إلى أمي. فتقدمت ووقفت أمامها. غادر الرجال. ولم أدرك أنني أرتجف إلا بعد أن اختفوا. جلست أمي على أحد الكراسي. —سلمى، كفاية. نمشي من هنا. احتضنتها. —إحنا ما عملناش حاجة غلط. —بس الناس دي مش بتفكر زينا. اتصلت بالطوارئ. ثم اتصلت بمحمود. رد فورًا. —دخلوا المقهى —قلت له— وكسروا كل حاجة. وقالوا لازم أرجع لك الفلوس وأعتذر لخديجة. ظل صامتًا لعدة ثوانٍ. ثم قال: —ما تلمسيش حاجة. خلي الجهات المختصة تفحص المكان. في صباح اليوم التالي وصل محمود من القاهرة. وعندما رأى المكان محطمًا، أغمض عينيه. —ده كمان بسبب العيلة دي. حاولت أمي أن ترحب به رسميًا، لكن محمود أمسك بيديها. —يا حاجة عائشة، أنا آسف إنكم اضطررتوا تمروا بكل ده. كانت تلك أول مرة أرى فيها أمي تبكي منذ أن عدت. عثر المحققون على كاميرات قريبة التقطت جزءًا من السيارة. كما عثروا على بعض البصمات وراجعوا الورقة التي تركها الرجل. سلمتهم رقم الهاتف. وبعد يومين تلقيت اتصالًا. —فهمتي الرسالة؟ —سأل صوت رجل. شغلت التسجيل، كما طلبت مني الجهات المختصة. —محتاجة وقت. —قدامك ثلاثة أيام. —عايزين كام؟ ذكر مبلغًا ضخمًا. قلت: —الفلوس دي مش بتاعة خديجة. ضحك الرجل. —ده مش شغلي. —هي اللي شغلتكم؟ ساد الصمت للحظات. ثم قال: —اعملي اللي اتقال لك. وانتهت المكالمة. قرر المحققون التدخل. وطلبوا مني ألا أفعل أي شيء بمفردي، وأن ألتزم تمامًا بتعليماتهم. ولأول مرة فهمت شيئًا مهمًا. طوال سنوات، كنت أحاول النجاة وحدي داخل تلك العائلة. لكن هذه المرة لم يكن عليّ أن أثبت شجاعتي بوضع نفسي في خطر. كان بإمكاني طلب المساعدة. عاد الرجل للاتصال. وباتباع تعليمات الجهات المختصة، أخبرته أنني أوافق على دفع المال. واتفقنا على أن يستلمه بالقرب من المقهى. ذهبت أمي إلى منزل إحدى قريباتنا تلك الليلة. أما أنا فبقيت في المكان تحت حماية أفراد العملية التي أعدتها الجهات المختصة في المنطقة. وعندما وصل الرجال لاستلام المبلغ، ألقي القبض عليهم. حاول الرجل صاحب الوشم الهرب. لكنه لم يذهب بعيدًا. تم التحفظ على هاتفه باعتباره دليلًا. وهناك ظهرت القطعة التي كانت تنقصنا. كانت هناك مكالمات بينه وبين خديجة. ورسائل. وتسجيلات صوتية. وفي إحدى الرسائل سمعت صوتها بوضوح: «عايزاهم يدمروا المقهى. لازم تتعلم إن ما ينفعش تهينني وتعيش كأن ما حصلش حاجة.» وفي تسجيل آخر قالت: «لو ما رجعتش الفلوس، خوّفوها بأمها.» شعرت بالغثيان. ليس لأنني فوجئت. بل لأنني فهمت أخيرًا أن خديجة لم تندم أبدًا. بل على العكس. طوال الأشهر الماضية، كانت تبني في رأسها قصة تجعلني أنا المذنبة في كل شيء. في اكتشاف محمود للخيانة. في خسارة طارق لمنصبه. في اختطاف سارة. وفي أنها لم تعد تعيش وسط الرفاهية التي اعتادت عليها. لم تسأل نفسها يومًا ماذا كان سيحدث لو تجاهلت تحاليل الـDNA ببساطة. ولم تسأل نفسها ماذا كان سيحدث لو لم تستأجر مجرمين للتخلص مني. كانت بحاجة إلى تحويل شخص آخر إلى مذنب حتى لا تضطر إلى النظر في المرآة. لكن بقيت مفاجأة أخرى. الرجل صاحب الوشم لم يكن مجرد شخص استأجرته خديجة. كان اسمه فريد سلامة. وكان هو الأب البيولوجي لطارق. اتصل بي محمود فور علمه بالأمر. —أنا ما كنتش أعرف عنه حاجة من عشرات السنين. وبحسب التحقيقات، كانت خديجة قد تعرفت على فريد قبل زواجها. واستمرت العلاقة بينهما خلال السنوات الأولى من زواجها. ثم اختفى من حياتها بعد تورطه في عدة جرائم. وعندما انهار كل شيء، عادت خديجة للبحث عنه. أخبرته أن طارق ابنه. كما أخبرته أن محمود «سرق» منه الحياة التي كان من المفترض أن تكون له، وأنني أنا من تسببت في انهيار الجميع. رأى فريد فرصة للحصول على المال. ووجدت خديجة شخصًا مستعدًا لتنفيذ انتقامها. ألقت الشرطة القبض على خديجة بعد ذلك بوقت قصير. وكان طارق معها عندما وصلوا. لم يتم اتهامه بالاعتداء على المقهى، لعدم وجود أدلة تثبت مشاركته. لكن حياته كانت قد تغيرت بالفعل. من دون منصبه في الشركة، ومع تراكم الديون عليه، وبعد ابتعاده عن محمود، بدأ يعيش على قروض من أصدقاء أخذوا يتوقفون تدريجيًا عن الرد على اتصالاته. وبعد أسابيع، أرسل لي رسالة مرة أخرى: «سلمى، دلوقتي فهمت كل حاجة. يا ريت أقدر أرجع الزمن.» قرأت الرسالة. ثم حذفتها. لم أفعل ذلك لأنني كنت أكرهه. بل العكس. لم يعد بداخلي ما يكفي حتى لأكرهه. استمرت القضية عدة أشهر. واضطررت للسفر عدة مرات للإدلاء بأقوالي. وفي إحدى المرات التقيت بخديجة في أحد الممرات. لم تعد ترتدي مجوهراتها، ولا الملابس الفاخرة التي كانت تحرص عليها دائمًا. وبدت وكأنها كبرت عشر سنوات. عندما رأتني، انفعلت. —كل ده حصل بسببك! حاول رجال الأمن مواصلة السير بها. لكنني توقفت. —خديجة، أنا لقيت نتيجة تحليل DNA وقررت أسكت. نظرت إليّ بغضب. —إنتِ دمرتي ابني! —إنتِ اللي استأجرتِ الناس اللي خطفوا بنتك بالغلط. إنتِ اللي كذبتي عليّ. إنتِ اللي دورتي على فريد. وإنتِ اللي بعتي ناس يدمروا المقهى بتاعي. سكتت. —لو ما حاولتيش تتخلصي مني، غالبًا محمود ما كانش هيعرف الحقيقة أبدًا. امتلأت عيناها بالدموع. لكنني لم أشعر بالانتصار. شعرت فقط بالتعب. قلت لها: —السر هو اللي ما دمرش عيلتك. اللي دمرها هو كل اللي قررتِ تعمليه عشان تخبيه. ثم غادرت. وبعد أشهر، صدرت الأحكام المتعلقة بالاختطاف والابتزاز والاعتداء على المقهى. وحصل فريد وعدد من الرجال الذين شاركوا في الجريمة على أحكام بالسجن. كما واجهت خديجة العواقب الجنائية لقراراتها. أما سارة، فلم تعد تعيش مع والدتها. وتكفل محمود بعلاجها النفسي، لكنه احترم قرارها بالابتعاد عن كل ما يتعلق بتلك العائلة. وبعد فترة، اتصلت بي سارة. ظلت لثوانٍ صامتة قبل أن تتحدث. —كنت عايزة أعتذر لك. —إنتِ ما خطفتينيش. —بس أنا سمحت لماما إنها تعاملِك وحش سنين. وأنا كمان كنت باخد حاجاتك وأتريق عليك... ولما رجعت افتكرت إنك ممكن تكوني ليكِ علاقة باللي حصل. —إنتِ كنتِ مرعوبة. —حتى لو. ساد الصمت بيننا. ثم سألتها: —أخبارك إيه؟ —أحسن. فيه أيام كويسة. —ده كفاية دلوقتي. وقبل أن تنهي المكالمة، قالت شيئًا لم أنسه أبدًا: —أوقات بحس إن الفستان الأحمر ده أنقذني ودمّرني في نفس الوقت. فهمت ما كانت تقصده. لو لم ترتدِ فستاني، لكنت أنا المخطوفة. لكن لأنها ارتدته، اكتشفت من تكون أمها حقًا. وبعد عامين، ما زال مقهاي مفتوحًا. أعدنا بناءه بالكامل. وأصر محمود على المساعدة في تكاليف الإصلاح، وأصبح بعد ذلك من زبائنه الدائمين. كانت أمي تستقبله دائمًا بالقهوة المظبوط. وأحيانًا كانا يجلسان معًا أمام البحر ويتناقشان حول نوع المخبوزات الذي يناسب كل مشروب أكثر. لم أتخيل يومًا أن الرجل الذي عرفته في البداية باعتباره حماي، سينتهي به الأمر ليكون واحدًا من أكثر الأشخاص الذين أحترمهم. لم نكن نتحدث كثيرًا عن طارق. كنت أعرف أنه حاول العودة إلى الشركة عدة مرات، لكن محمود رفض. وعرفت أيضًا أنه بدأ حياته من جديد بعيدًا عن القاهرة. أتمنى أن يفهم يومًا أن فقدان الامتيازات لا يعني فقدان الحياة. أحيانًا تبدأ الفرصة الحقيقية للحياة عندما لا يعود هناك أحد يحل مشاكلك بدلًا منك. أما خديجة، فنادرًا ما كنت أسأل عنها. لم أعد بحاجة إلى معرفة كيف تمر أيامها. لفترة طويلة كنت أعتقد أن العدالة تعني أن أراها تتألم. لكنني كنت مخطئة. العدالة الحقيقية كانت أن أستيقظ ذات صباح وأكتشف أنني لم أعد أفكر فيها. كانت أن أفتح مقهاي. وأرى أمي تبتسم خلف المنضدة. وأسمع أمواج البحر. وأحصي أموالي التي كسبتها بنفسي. وأغلق بابي بنفسي. وأنام من دون خوف. كانت تلك العائلة تملك شققًا وشركات وسائقين وحسابات بنكية لم أكن أتخيل يومًا أن أمتلك مثلها. ومع ذلك كانوا يعيشون أسرى للأسرار والمظاهر والأكاذيب. أما أنا، فخرجت من هناك بحقيبة واحدة. لكنني خرجت حرة. وأحيانًا ما زلت أرى الفستان الأحمر في بعض الصور القديمة. ولأشهر طويلة، اعتبرته رمزًا لأسوأ يوم في حياتي. أما الآن فأراه بطريقة مختلفة. ذلك الفستان تسبب في خطأ. والخطأ كشف جريمة. والجريمة كشفت كذبة عمرها خمسة وثلاثون عامًا. وتلك الكذبة أظهرت في النهاية حقيقة كل شخص، عندما لم يعد بإمكان أحد أن يختبئ خلف المال أو اسم العائلة أو نفوذها. ولهذا، إذا كان هناك شيء واحد تعلمته، فهو: الحقيقة قد تهدم بيتًا. لكن الأكاذيب التي نبنيها حولها هي التي تدفننا في النهاية. لقد خسرت زواجي في ذلك اليوم. لكنني استعدت حياتي. ولو كنتم مكاني، هل كنتم ستحتفظون بسر تحليل الـDNA إلى الأبد؟ أم كنتم ستخبرون محمود بالحقيقة منذ اللحظة الأولى؟ خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد