الطفل المنسي – محمد نور
«إوعي تلمسي الصندوق ده تاني.»
الغريب إن صوتها الهادي هو اللي خلاني أفتكر الموقف لحد النهارده.
بعد سنين، لما عرفت التشخيص بتاعي، بدأت أفهم إن فيه أجزاء من حياة أمي قضت عقود وهي بتحاول تقفل عليها بالمفتاح.
ما واجهتهاش.
رجعت لدكتورة هالة.
وطلبت منها حاجة واحدة.
جواب.
تلات فقرات.
بلغة بسيطة.
من غير مصطلحات طبية معقدة.
حاجة أقدر أقراها بصوت عالي لو في يوم لقيت عندي الشجاعة.
الفقرة الأولى تشرح حالة حملي الحالية.
والتانية تشرح الحالة الطبية اللي كانت السبب في فقدان الحمل أكتر من مرة.
والتالتة تشرح طريقة انتقال الحالة بالوراثة.
طويت الجواب تلات طيات، وحطيته معايا لمدة 11 أسبوع.
كنت مستنية.
—
وبعدين جه يوم حفلة تقاعد أمي.
اتنين وعشرين فرد من العيلة.
سارة كانت محور الاحتفال عشان حققت إنجاز كبير في شغلها كدكتورة نساء وتوليد.
أمي كانت قاعدة على رأس الترابيزة، وشكلها مليان فخر.
وأنا قاعدة في مكاني المعتاد.
نفس المكان اللي كنت دايمًا باخده في العيلة.
على الهامش.
بعيدة عن دائرة الاهتمام.
لحد ما وقفت.
وقلت:
«أنا حامل.»
أمي ردت:
«يا رب المرة دي يطلع أذكى منك.»
ودلوقتي، كل اللي قاعدين كانوا مستنيين مني أقعد تاني.
أضحك على كلامها.
أعديه.
وأرجع أصغر نفسي زي كل مرة.
لكن المرة دي…
ما عملتش كده.
طلعت الورقة المطوية من جيب المعطف.
وش أمي اتغير في اللحظة دي.
بصت للورقة وقالت:
«إيه ده؟»
قلت:
«جواب من دكتورة النساء والتوليد بتاعتي.»
سارة بطلت تضحك.
وأبويا أخيرًا حط سلة العيش على الترابيزة.
قلت لهم إني فقدت خمس مرات حمل.
إيد خالتي سناء اتثبتت على الترابيزة.
حد شهق من الصدمة.
وأمي فضلت باصة لي كأنها لأول مرة تشوف جزء من حياتي عمرها ما كلفت نفسها تتخيله.
فتحت الجواب.
وبدأت أقرأ الفقرة الأولى.
بنتي بخير.
الحمل وصل للأسبوع السادس والعشرين.
والطفلة بتتطور بشكل طبيعي.
وبعدين قرأت الفقرة التانية.