الطفل المنسي – محمد نور
كان جزء من تاريخ عيلتنا.
أمي شرحت لي إن المشكلة دي ممكن تنتقل من الأم لأولادها. وإن وجود الانتقال المتوازن عندها كان معناه إن بعض الأجنة ممكن ما تقدرش تكمل نموها بشكل طبيعي.
عشان كده حصلت لها أكتر من مرة حالات فقد حمل.
لكن كان فيه طفل واحد…
طفل وصل تقريبًا لنهاية الحمل.
ولد.
اتولد سنة 1991.
وعاش وقت قصير جدًا.
أمي كانت بتسميه في كلامها باسم واحد.
يوسف.
أخويا.
الاسم فضل معلق في دماغي.
يوسف.
كنت طول عمري فاكرة إن سارة هي أول طفلة لأمي قبلي.
طلعت غلطانة.
كان فيه طفل قبلي.
طفل كان له اسم.
وكان له سرير.
وكان له سوار مستشفى.
وكان له أم بتستناه.
وما رجعش البيت.
بصيت لأمي وقلت:
— ليه مخبيتي عني كل ده؟
قالت:
— لأني كنت بخاف.
— من إيه؟
— منك.
ضحكت ضحكة صغيرة وسط دموعها، كأنها عارفة قد إيه الكلام غريب.
— كنت بخاف أشوف في عينيكي سؤال أنا مش قادرة أجاوب عليه.
سألتها:
— أي سؤال؟
بصت للأرض.
— ليه هو مات وإنتِ عيشتي؟
ما عرفت أرد.
أبويا كان ساكت طول الوقت.
سارة كانت بتبص لأمي كأنها بتشوفها لأول مرة.
أما خالتي سناء، فكانت أقرب واحدة لأمي في اللحظة دي.
قالت بهدوء:
— أمك ما كانتش بتعرف تحزن قدام الناس، يا مريم.
بصيت لها.
— يعني إيه؟
قالت:
— كانت بتخبي حزنها. ولما كانت بتتوجع، كانت بتشد على نفسها أكتر. بس الحزن ما اختفاش.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— هي حطت جزء من الحزن ده فيكي من غير ما تقصد.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي اعتراف تاني.
لأني فجأة بدأت أفتكر حاجات كتير.
كل مرة كانت أمي تنتقدني فيها.
كل مرة كانت تقارنني بسارة.
كل مرة كنت أحاول أثبت لها إني كويسة.
إني ناجحة.
إني أستحق حبها.
وكل مرة كنت بقول لنفسي:
يمكن المرة الجاية هترضى عني.
لكن يمكن الحقيقة إن الموضوع ما كانش متعلق بيا أصلًا.
أمي كانت بتحاول تعالج جرح عمره سنين، وأنا كنت فاكرة إن المطلوب مني إني أكون مثالية عشان الجرح يختفي.