الطفل المنسي – محمد نور
بعد سنين طويلة من علاجات الخصوبة المؤلمة، أخيرًا قلت لعيلتي إني حامل.
أول كلمة قالتها أمي كانت:
«يا رب المرة دي يطلع أذكى منك.»
أختي ضحكت، وأبويا بص في ساعته وقال بمنتهى البرود:
«طب ناكل بقى؟»
بصيت لجوزي، أحمد.
هز راسه مرة واحدة.
ساعتها وقفت، وطلعت جواب كان كاتبهولي دكتوري المتابع للحمل.
ولما وصلت للجملة التالتة…
أمي كانت بتعيط.
—
الليلة اللي قلت فيها لعيلتي إني حامل، أمي ما حضنتنيش.
رفعت كوباية النبيذ من قدامها، وبصتلي من الناحية التانية من ترابيزة السفرة المرتبة بعناية، وقالت:
«يا رب المرة دي يطلع أذكى منك.»
اتنين وعشرين شخص سمعوا الجملة.
أختي سارة حطت إيدها على بقها، بس ما لحقتش تخبي الابتسامة اللي ظهرت على وشها.
أما أبويا، فمد إيده ناحية سلة العيش وكأني لسه بقولهم إن الجو هيبقى حر بكرة.
«طب ناكل بقى؟»
لثواني، محدش اتحرك.
الأطباق الغالية كانت تحت نور دافي نازل من نجفة السفرة.
وفي نص الترابيزة كانت فيه زهور بيضا.
صحاب أمي من أيام شغلها في التدريس، وأولاد خالاتي وأعمامي، وأقارب جوزي، وخالي ومراته… كلهم فجأة بقوا مركزين جدًا مع أطباقهم.
كنت ممكن أعيط.
كنت ممكن أزعق.
لكن بدل كل ده، بصيت للناحية التانية من الترابيزة ناحية جوزي أحمد.
قابل عيني.
وبعدين هز راسه مرة واحدة.
وده كان كل اللي محتاجاه.
مديت إيدي ورا الكرسي، ودخلتها في جيب المعطف اللي كنت لابساه.
الجواب المطوي كان لسه هناك.
أمي ما كانش عندها أي فكرة إني كنت شايلة الجواب ده معايا بقاله 11 أسبوع.
والأهم…
ما كانش عندها أي فكرة ليه.
—
أنا وأحمد كنا بنحاول نخلف بقالنا ست سنين.
ست سنين من تحاليل دم الصبح بدري، وعيادات خصوبة، وحقن، ومواعيد، ونتائج تحاليل، ومكالمات تليفون كانت دايمًا بتنتهي بنفس الحاجة:
تاريخ جديد بيتحدد على التقويم.
خمس مرات حمل انتهت قبل ما أحس حتى إني أقدر أقول لعيلتي إن الحمل بدأ.
خمس مرات.
بعد أول مرة فقدت الحمل، رجعت شغلي.
بعد التانية، اتعلمت أرد على الناس لما يسألوني ليه أنا وأحمد «لسه» ما عندناش أولاد.