صحفية استقصائية – محمد نور

 

دعَتني إلى حفلٍ خيريّ كي تستعرض بي أمام صديقاتها كـ «الخادمة البائسة»، وقالت أمامهنّ بكل صلف: «دعوها تحضر، على الأقل سيتوفر للجميع شيءٌ يضحكون عليه». طوال شهرين تقريباً احتملتُ إهاناتها بلا جأشٍ يتضعضع، بينما كنتُ أجمع الأدلة في صمت. وعندما ولجتُ الباب أخيراً ورداءٌ تُقدَّر قيمته بمليوني دولار يلتفّ حولي، تجمَّد الدم في عروقها… لكن الصدمة الحقيقية ألمّت بها حين وقعت عينا زوجها على الصفحة الأولى من المِلفّ.

الجزء الأول

– «يا سيدات، لقد خطرت لي للتوّ فكرةٌ رائعة! سأدعو الخادمة إلى حفل عيد ميلادي الخمسين… ليرى ضيوفي عن قرب كيف يبدو الفقر.»

انفجرت النساء الأربع الجالسات حول الطاولة بضحكاتٍ عالية ومجلجلة.

كنتُ أقف على بعد ثلاثة أمتارٍ منهنّ، أحمل صينيةً عليها كؤوس العصير، وأرتدي ذلك الزي الرمادي البسيط الذي كانت “كاريمة الجابري” تجبرني على ارتدائه كل يوم.

– «هل سمعتِ يا مريم؟» – قالتها دون أن تكلّف نفسها عناء النظر إليّ – «أنتِ مدعوة. لكن لا تقلقي بشأن ثوبكِ.»

التقطت قطعة قماشٍ قديمة للتحضير ملطخة بالصلصة، وألقتها نحوي.

– «يمكنكِ ارتداء هذه. لن يلاحظ أحدٌ الفرق على أي حال.»

تعالت ضحكاتُهنّ من جديد.

انحنيتُ، ورفعتُ الخرقة عن الأرض، وطيّبتُها بعناية، ثم قلتُ بنبرة خافضة:

– «حاضر يا سيدتي.»

ابتسمت “كاريمة” باعتزاز ورضا.

غير أن ما لم تكن تعلمه هو أنني لم أكن مجرد خادمة منزلية.

ولم تكن تدرك أيضاً أن ذلك الحفل سيكون بداية النهاية لكل ما بنته على مدار سنوات.

كنتُ أعيش منذ نحو شهرين في قصرها المنيف بحي “الزمالك” في القاهرة.

كانت غرفتي تقع بجوار غرفة المحركات تحت سلم الخدام. سريرٌ فردي، ولمبةٌ عارية، ونافذةٌ ضيقة لا تكاد تنفذ منها نَفَمة هواء.

أما في الأعلى، فثمة أرضياتٌ رخامية، ولوحاتٌ أصلية، وباقات زهورٍ طازجة تُستبدل ثلاث مراتٍ في الأسبوع، وطاولة طعامٍ تتسع لعشرين شخصاً لم تكن تُستغلّ تقريباً.

كانت “كاريمة” تتعامل مع العاملين لديهم وكأنهم أدواتٌ بلا روح.

لم تنطق أسماءنا قط.

كنا بالنسبة لها مجرد «بنت»، أو «أنتِ»، أو «تلك التي في المطبخ».

كانت تعمل هناك أيضاً “أمينة”، وهي امرأةٌ في الرابعة والخمسين من عمرها جاءت من صعيد مصر، و”دعاء” ذات السبعة والعشرين عاماً، التي حضرت من إحدى قرى الدلتا على أمل أن تكسب ما يكفي لمساعدة والدتها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *