الطاولة رقم سبعة – محمد نور
المرأة عند الطاولة رقم سبعة
الجزء الأول — الوردية الأخيرة
في الساعة الثامنة وأربع عشرة دقيقة من مساء يوم ثلاثاء ممطر، قدّمت ليان منصور طبقًا من اللحم لامرأة لم تكن تملك هي نفسها ثمنه.
لم تكن ليان تعرف أن المرأة الجالسة عند الطاولة رقم سبعة أمضت ما يقارب ستة عشر عامًا تبحث عنها.
ولم تكن تعرف أن المطعم الذي تعمل فيه كان يومًا ملكًا لعائلة تلك المرأة.
ولم تكن تعرف أن الكلمات التي ستقولها المرأة بعد دقائق ستعيد فتح جزء من حياتها قضت سنوات طويلة وهي تتجنب السؤال عنه.
في الرابعة والعشرين من عمرها، أصبحت ليان خبيرة في عدم طرح الأسئلة.
لماذا توقف والدها عن الحديث عن أمها بعد وفاتها؟
لماذا لم تكن هناك صور لأجدادها في ألبوم العائلة؟
ولماذا كانت كل إجابة عن السنوات التي سبقت بلوغها الثامنة تنتهي بجملة:
“الموضوع معقد.”
بعض الناس يحملون أسرارهم مثل الجروح.
أما ليان فكانت تحمل أسرارها مثل قطعة أثاث قديمة؛ ثقيلة، موجودة دائمًا، لكنها أصبحت مع مرور الوقت مألوفة إلى درجة أنها لم تعد تنتبه إليها.
كانت تعمل ستة أيام في الأسبوع في مطعم الساحة، وهو مطعم عائلي قديم في أحد أحياء القاهرة.
كان أقدم منها بكثير.
طاولات خشبية داكنة، مقاعد حمراء، جدران مكسوة بالبلاط الكريمي، ومنضدة طويلة قرب المطبخ.
وكانت القهوة جيدة، أما طبق اللحم الذي يشتهر به المطعم فكان محبوبًا في الحي كله.
كانت ليان تعرف الزبائن المعتادين واحدًا واحدًا، وتعرف من يريد الحديث ومن يريد أن يأكل بصمت.
وكانت تعرف نوال الهاشمي.
ليس جيدًا.
لكن بما يكفي.
ظهرت نوال قبل ثمانية أشهر.
كانت تأتي وحدها دائمًا، بين السابعة والثامنة مساءً، وتجلس عند الطاولة رقم سبعة إذا كانت شاغرة.
كانت في الخامسة والسبعين، نحيلة، بشعر أبيض قصير، وترتدي معطفًا بنيًا قديمًا وحذاءً مهترئًا.
وكانت تحمل محفظة جلدية متشققة تفتحها ببطء كلما جاء وقت الحساب.
في البداية كانت تطلب القهوة فقط.
ثم الحساء.
وبعد أن أدركت أن ليان لا تستعجلها، بدأت تطلب العشاء أحيانًا.
وكانت تطرح عليها أسئلة صغيرة.