انا ابحث عن زوجة – محمد نور

— **هذا لا يجعل ورقة ملطخة بالطحينة والزيت وثيقة رسمية للضرائب.**

في المساء نفسه، استردت مريم 16,000 جنيه كانت للورشة كرصيد دائن نسيَه حمزة لدى أحد الموردين.

كانت مريم تعمل بدقة وصمت، حازمة مع الفوضى ولطيفة مع البشر. لم تكن تغير موعداً دون الاتصال بالزبون أولاً، ولم تكن تعد بموعد تسليم لا يستطيع الميكانيكيون الوفاء به.

أما عن سر مغادرتها عند الظهيرة، فقد اكتشفه حمزة في نهاية الأسبوع الأول.

والدة مريم، **أمينة الفايد**، كانت قد تعرّضت لحادث سير في **المنصورة**. نَجت من الجراحة، لكن إصابة قدمها تطلّبت علاجاً طبيعياً مكثفاً في **القاهرة**.

تركت مريم شقتها، واستقالت من عملها المؤقت، ونقلت والدتها إلى مركز تأهيل قريب. وكانت تقيم في فندق بسيط على بعد 5 كيلومترات من الورشة، وتستغل كل استراحة لزيارة أمها.

أوضحت مريم وهي تشير إلى ملصق على حقيبتها:

— **أمي هي من وضعت هذا الملصق.. ظنّت أنني قد أفقد الحقيبة وأنا أحمل عنها مشاية الكبار.**

سألها حمزة:

— **هل تعتادين فقدان أشيائكِ؟**

— **أبداً.**

لم تزد على ذلك، وحمزة لم يسأل أكثر.

لكن ابتداءً من اليوم التالي، قام حمزة بحظر أي مواعيد بين الساعة 12:00 و12:30. لم يعلن عن ذلك كفضل منه، بل أعاد ترتيب الجدول ببساطة حتى لا ينظر أي زبون باستياء إلى مريم وهي تغادر.

في إحدى الأيام، عادت مريم من المركز وهي تتحدث عبر الهاتف:

— **لا تحاولي النهوض بمفردك يا أمي.. اضغطي على الزر وانتظري الممرضة.**

ثم أغمضت عينيك وتابعت بنبرة متعبة:

— **أنا لستُ غاضبة منكِ.. أنا فقط مجهدة، وهناك فارق كبير بين الأمرين.**

ساد صمت قصيرة على الطرف الآخر، ثم قالت مريم:

— **وأنا أحبكِ أيضاً.. سأعود إليكِ فور انتهاء العمل.**

أنهت المكالمة، وأخذت نفساً عميقاً، ثم استقبلت أحد الزبائن بنبرة هادئة وكأن صوتها لم يكن يرتجف قبل ثوانٍ.

تظاهر حمزة بأنه لم يسمع شيئاً، لكنه منذ ذلك اليوم فهم أن تلك الـ45 دقيقة كانت المساحة الوحيدة التي تستطيع فيها مريم التخلي عن صلابتها أمام الجميع، لتكون مجرد ابنة نال منها التعب.

وقع أول خلاف بينهما بسبب زبون يُدعى **سعيد**.

كانت مريم قد وضعت لوحة إرشادات بيضاء في الورشة؛ لكل سيارة سطر، وتاريخ تسليم، وقائمة بقطع الغيار المطلوبة. عندما رآها سعيد، ضرب على كتف حمزة بمودة وقال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *