اهانة في البنك – محمد نور

كانت خطتنا بسيطة:

إيداع الأموال الحكومية، ثم المشي مسافة ثلاثة شوارع في الشارع الرئيسي وصولاً الى المكتبة ليشتري القصص المصورة الجديدة التي كان يجمع مصروفه من أجلها، ثم التوقف عند مطعم المشويات المفضّل لدينا قرب الجسر لتناول فطائر اللحم والبطاطا الحلوة.

هذا كل ما أردناه من اليوم؛ لا مراسم، ولا استعراض، ولا مواجهات. مجرد ظهيرة الثلاثاء هادئة في بلدة صغيرة.

لسنوات، تعمدت إبقاء هويتي المهنية سراً.

لم يكن أحد من معلمي ابني في المدرسة الابتدائية يعرف الحقيقة الكاملة، ولا حتى جيراننا في “وادي النخيل”؛ إذ كانوا يرون أمّاً مفردة منهكة تقود شاحنة قديمة، وتقص عشب حديقتها صباح السبت، وتصلح درجات جالستها دون الاستعانة بأحد.

لم يعلموا أنني تحت تلك السترة المبذولة والحذاء المغبور، كنت **العقيد ريم** في القوات العسكرية وممثلة سامية لوزارة الدفاع، يناط بي تنسيق مئات الملايين من الريالات لإسكان المحاربين القدامى، ومساعدة أسر العسكريين، وصناديق التقاعد.

كنت أحتفظ بتلك المعلومات سراً بإرادتي؛ إذ أردت لابني أن يتعلم أن المعدن والأخلاق أهم من المنصب، وأن استقامة المرء وكلمته وسلوكه هي ما تحدد قيمته—لا العلامة المطرزة داخل السترة ولا الشعار المثبوت على غطاء السيارة.

### **4. خلف الجدار الزجاجي**

تغيرت الأجواء فور أن دفعنا الأبواب الزجاجية الثقيلة للبنك.

كان بهو كبار العملاء بارداً جداً كأنه معرض مبرد، وتفوح منه رائحة القهوة الفاخرة والرخام المصقول والعطور.

كانت الأرضية الرخامية تعكس الصور بوضوح جعلني أرى نعال حذائي المبذولة تنعكس عليها.

وقفت ثلاث صرافات شابات خلف منصة زجاجية طويلة، يتحدثن بصوت خافت ويتفحصن هواتفهن.

وتلاشت تعابير الترحيب عن وجوههن فور أن لاحظن سروالي العسكري، وسترتي المصفرة، ومفاتيح شاحنتي المغبورة، وقمیص ابني القطني الممزق.

نغزت إحداهن زميلتها بكوعها، فنظرت الثانية إلينا ولوت أنفها ثم أعرضت.

لم يحاولن إخفاء احتقارهن، وفي ثوان معدودات، تمت إهانتنا صامتة في أسفل السلم الاجتماعي لديهن.

رأيت رجالاً ببدلات أنيقة ونساء يحملن حقائب من ماركات عالمية يتلقون اهتماماً فورياً.

رجل سبئي الشعر يحمل حقيبة جولف قدمت له القهوة قبل أن يصل الى المنصة.

واستصحبت امرأة بكعب عال نائب المدير شخصياً الى غرفة استشارية خاصة بعد أن حياها باسمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *