اهانة في البنك – محمد نور

كنت أقف عند حوض المطبخ، أغسل طبق الإفطار البلاستيكي الخاص بابننا حين ألقى حكمه الأخير على أسرتنا.

تذكرت الماء الدافئ وهو ينساب على أناملي، ورغوي الصابون وهي تنزلق بين أصابعي.

ولكن أكثر ما ذكرته كان الخلاء المطلق في صوته حين قال إن طفلنا الصغير سيكون بحال أفضل بدونه.

لم يقبل الصبي قبلة الوداع، ولم يلتفت حتى نحو الغرفة التي كان ينام فيها الطفل وهو يضم ديناصوره القماشي الى وجنته.

خرج فحسب وأغلق الباب الرئيسي بقسوة.

سقطت صورة زفافنا الممطرة عن الجدار وتهشمت على الأرضية، وتسربت شظايا صغيرة منها تحت الثلاجة، حيث وجدت بعضها بعد أيام.

بعض الجراح تعلن عن نفسها فوراً، وبعضها الآخر يبقى خفياً حتى تطأه بقدميك.

كانت عائلتي تقيس التضحية العسكرية دائماً بالريالات والقروش، وفي أعينهم، لم تكن الأرقام تتطابق أبداً.

انحازت “نادين” لزوجي علنياً إبان الطلاق، وأخبرت والدينا أنني طردته بعنادي، وقالت للأقارب إنني فضلت مهنتي على بيتي. وكلما أبدى أحد طعناً أو أسفاً لحالي، كانت تصحح لهم: «”ريم” هي التي اختارت طريقها، وعليها الآن أن تتحمل النتائج».

فتحملتها.

ربيت ابني، وخدمت وطني، وتعلمت كيف أعيش دون أن أطلب من الناس أن يفهموا تضحيات قرروا منذ البداية أن يسخروا منها.

### **3. الطريق إلى البنك**

عدت بعقلي الى الحاضر وانا اقف في بهو البنك، وتذكرت سبب دخولنا الى المبنى قبل خمس عشرة دقيقة.

بدأ بعد الظهر هادئاً؛ إذ أوقفنا شاحنتنا القديمة والموثقة في الموقف الفسيح خارج “بنك المشرق”. كانت الشاحنة تبدو كأنها تعتذر عن وجودها بين السيارات الفارهة المصقولة والسيارات الرياضية المستوردة المصفوفة تحت ظلال الأشجار.

رنت أنبوبة العادم حين أطفأت المحرك، وكانت طبقة ناعمة من الغبار الأحمر المنبعث من الطريق غير المرفت خارج “وادي النخيل” تغطي غطاء المحرك وأسفل الزجاج الأمامي.

فك ابني حزام الأمان وسحب حقيبته الى حضنه.

كان سحابها ممزقاً، لكنه رفض استبدالها لأن صديقه المقرب في المدرسة رسم له ديناصوراً مائلاً على الوجه الأمامي بقلم عريض أبدي خلال الاستراحة. وبالنسبة له، كانت تلك الرسمة تجعل الحقيبة لا تقدر بثمن.

خرج من السيارة وانتظرني لأطوف وأفتح له الباب؛ وهي طقس صغير حافظنا عليه منذ أنكبر بما يكفي للجلوس في المقعد الأمامي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *