عودة من المنفى – محمد نور

والجميع يعلم حقيقة واحدة: إن كان طارق الهلالي يستطيع فرض سيطرته ومهابته في أي مكان يطأه… فإن ذلك يتوقف تمامًا حين يكون فارس المكتوم حاضرًا.

بعد خمس دقائق، توقفت سيارة سوداء فارهة أمام المطعم.

فتُح الباب، ونزل منها فارس.

سار بخطوات واثقة مستقيمة نحوي مباشرة، متجاهلاً سارة وكل من في القاعة، ثم أحاطني بذراعيه وضمّني إليه.

همس بجانب أذني بصوت دافئ:

— ثلاث سنوات كاملة… هل تعلمين كم انتظرتُ هذه المكالمة؟

رفعتُ بصري إليه… وفي تلك اللحظة بالذات، ألمحتُ طارقًا يقف خلف سارة.

كان قد دخل المطعم للتو دون أن يشعر به أحد.

كانت نظراته معلقة وجمادًا على يد فارس الملفوفة حول خصرِي.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

يبدو أن طارق الهلالي قد نسي كيف يتنفس.

ساد المطعمَ صمتٌ مطبقٌ حتى كدتُ أسمع صرير السكاكين وهي تسقط على الأطباق في أقصى القاعة.

كان فارس ما يزال يطوقني بذراعيه، ولم أبتعد عنه… ليس بدافع إثارة غضب أحد، بل لمجرد أنه بعد ثلاث سنوات عاصفة، كان هذا العناق هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه بأمانٍ حقيقي.

قلتُ بصوت خافت:

— لقد وصلتَ سريعًا.

ابتعد فارس قليلًا ليحدق في عينيّ:

— كتبتي لي “أفتقدك”… ولو تطلب الأمر لقطعتُ المحيطات إليكِ.

— ما زلتَ تبالغ كعادتك.

— معكِ أنتِ فقط.

كانت صديقتي داليا تنظر إلينا بعينين متسعتين من الذهول، وكذلك سارة… لكن النظرة التي كان يصعب تجاهلها بحق هي نظرة طارق الهلالي.

كان يقف على بعد أمتار منا، مرتديًا بدلة رمادية داكنة، وإحدى يديه تسند ظهر كرسي سارة. كان قد جاء لأجلها بالطبع، فهما خطيبان… ورغم ذلك، لم تكن عيناه معلقتين على عروسه المستقبلية، بل كانتا منثبرتين عليّ… أو بالأحرى، على فارس ويده التي تلتف حول خصرِي.

كسر فارس الصمت متسائلًا بنبرة جادة:

— لم أكن أعلم أنكِ عدتِ إلى البلاد… متى وصلتِ؟

— قبل أيام قليلة.

انقبض فكه وقال:

— ولماذا لم يخبرني أحد؟

— لأنني طلبتُ منهم ألا يفعلوا.

أدرك فارس شيئًا ما، ولم يضغط عليّ في السؤال. كان هذا دائمًا هو الفارق الجوهري بينه وبين طارق… فارس يعرف متى يسأل، والأهم من ذلك: متى يتوقف عن السؤال.

اقتربت سارة وقالت بابتسامة متصنعة:

— فارس المكتوم… يا لها من مفاجأة!

نظر إليها فارس وكأنه يحتاج ثانية لتذكر من تكون:

— سارة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *