عودة من المنفى – محمد نور
— هذا أنا! ياسمين… انظري إليّ، إنه أنا، فارس!
ترك ذراعي فورًا وقال:
— لن ألمسكِ، تنفسي… أنا هنا.
استغرقتُ ثواني لأستوعب وجوده. رأى فارس الصورة الملقاة على الأرض، التقطها، وتغيرت ملامح وجهه تمامًا:
— مَن أرسل هذا؟
— لا أعلم… —لكنها كانت كذبة، كان لديّ حدس.
غمضتُ عينيّ وقلتُ بصوت مرتجف:
— عندما أبعدني طارق، تركت عائلتي أمر إقامتي لوكالة عقارية هناك. وكان الرجل الذي يدير البناية يُدعى سعيد. في البداية كان لطيفًا، ثم بدأ يقتحم الشقة دون إذن، يراقب خروجي ودخولي، وحين حاولتُ الانتقال، ادّعى أنني مديونة له وسرق جواز سفري لأسابيع… وفي إحدى الليالي حاول…
لم أستطع الإكمال. ضغط فارس على الصورة حتى تجعدت في قبضته:
— هل آذاكِ؟
— هربتُ منه… سقطتُ من سلم طوارئ الحريق… الندوب في جسدي كانت بسبب ذلك السقوط.
غمض فارس عينيه بألم:
— هل أبلغتِ الشرطة؟
— نعم، لكن سعيد قال للجميع إنني مريضة ونفسيتي غير مستقرة، وأن عائلتي نفَتني للخارج بسبب سلوكي الطائش.
شحب وجه فارس. أدرك كل شيء… كلمات طارق، اتهامات سارة، نفيي إلى الخارج… كل ذلك صنع قصة مثالية لتكذيب أي شكوى أتقدم بها.
— هل تعلم عائلتكِ؟
— لا.
— وطارق؟
— لا أحد يعلم.
— لماذا لم تتصلي بي حينها؟
كان السؤال تؤلم:
— اتصلتُ بكَ في الأسبوع الأول… لكن رقمك كان مقطوعًا.
تجمّد فارس:
— ماذا؟ أنا لم أغير رقمي قط!
تنبهنا معًا للأمر… شحب وجهي:
— إذًا… أحدهم حظر رقمك من هاتفي قبل أن أسافر!
— مَن كان يملك هاتفكِ حينها؟
— أمي، أبي، طارق… وسارة كانت في منزلنا في ذلك اليوم.
أخذ فارس الصورة وقال بصرامة:
— سأعرف مَن يقف خلف هذا.
— لا يا فارس… لا أريد رجلاً أخر يقرر نيابة عني ما يجب فعله.
صمت فارس، فأدركتُ أن نبرتي كانت قاسية، فقلتُ بأسف:
— اعتذر.
— لا تعتذري… —جلس أمامي وقال— إذًا أخبريني أنتِ: ماذا تريدين؟
كادت الدموع تفر من عيني. ماذا أريد؟ طوال حياتي كان الجميع يقرر عني: طارق قرر أنني مذنبة، والداي قررا إبعادي، سعيد قرر السيطرة عليّ، وسارة قررت أن وجودي يهددها.
نظرتُ إلى الصورة وقلتُ بثبات:
— أريد أن أكفّ عن الخوف.
أومأ فارس:
— إذًا سنبدأ من هنا.
لم يستغرق التحقيق وقتًا طويلًا. سعيد كان قد عاد إلى البلاد قبل ستة أشهر، ويعمل مستشارًا لشركة عقارية تملك عائلة سارة حصة كبيرة فيها!