عودة من المنفى – محمد نور

— لم أكن أعلم أنك وياسمين ما زلتما على تواصل.

— ولم أكن أعلم أننا مطالبون بإعلان ذلك للعامة.

بهتت ابتسامة سارة، بينما حاولت داليا كتم كتمة ضحكة كادت تخرج منها.

وأخيرًا، تحدث طارق بصوت خفيض… ذلك الصوت الذي كان لسنوات كفيلًا بجعلي ألتفت فورًا، لكنني هذه المرة لم أشعر بشيء:

— ياسمين…

نظرتُ إليه بثبات:

— سيد طارق.

ظهر ذاك التغير الطفيف على وجهه مجددًا، وكأن رسميتي في الحديث معه تؤذيه أكثر مما يريد الاعتراف به.

— هل أنتِ وفارس…؟ —توقف عن الكلام.

رفع فارس حاجبه وقال:

— ياسمين وأنا… ماذا؟

تجهّم وجه طارق وقال:

— لم أكن أوجّه السؤال إليك.

— إذًا اطرح سؤالًا كاملًا.

تدخلت سارة بسرعة وهي تمسك بذراع طارق:

— طارق، لا يهم… جئنا لنلتقي بالعشاء، وغدًا لدينا تفاصيل كثيرة لنراجعها بشأن الزفاف.

أُلقيت كلمة “الزفاف” بيننا بعناية مقصودة. “ياسمين” القديمة كانت لتشعر وكأن أحدهم ينتزع قلبها من صدرها، أما أنا، فلم أفكر إلا في أن سارة ستتحاج إلى تعديل مقاس الخصر في فستان “نجمة الليل”، لأنه صُمم أصلًا ليلائم مقاساتي أنا.

قال فارس بنبرة باردة:

— مبارك لكما… أتمنى لكما السعادة.

ثم التفت إليّ:

— هل أنهيتِ عشاءكِ؟

— ليس بعد.

— ممتاز، أنا جائع جدًا.

جلس بجوار داليا بكل أريحية وكأن الأمر طبيعي تمامًا. ظل طارق واقفًا لدقائق دون حراك، قبل أن تجذبه سارة برفق ليتوجها إلى طاولتهما. وطوال السهرة، كنتُ ألمح نظرات تتجه نحوي بين الحين والآخر… ولم أكن بحاجة للتأكد مَن صاحبها.

أوصلني فارس إلى المنزل في تلك الليلة. وعندما توقفت السيارة أمام البوابة، لم أتحرك لأخرج، وهو كذلك لم يتكلم. ظللنا ننظر إلى البيت المضاء، حتى سألني أخيرًا:

— ما الذي حدث لكِ هناك يا ياسمين؟

شددتُ قبضة يدي على حزام الأمان:

— لا شيء.

— ياسمين…

نطق اسمي بذاك الهدوء فحسب، وكان ذلك كافيًا. لثلاث سنوات سمعتُ عبارات من قبيل: “انسَي الأمر”، “لقد انتهى كل شيء”، “كوني قوية”. لكن فارس لم يقل أيًا من ذلك… بل انتظر.

رفعتُ أكمام قميصي ببطء. كانت هناك ندبة طويلة تقع بالقرب من المرفق، وأخرى أصغر بجوار المعصم.

توقف نفس فارس لثانية، وسأل بصوت كتمه الغضب:

— مَن فعل بكِ هذا؟

— لا أريد الحديث عن الأمر الليلة.

— حسناً… متى ما أردتِ الكلام، أنا هنا لأسمعكِ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *