عودة من المنفى – محمد نور

— لقد خذلناكِ يا بنيتي… سامحينا.

أما طارق، فقد جاء إلى مرسمي بعد أسبوع. كان يبدو إنسانًا آخر، انكسرت كبرياؤه. سلمني إقرارًا رسميًا منه ومن سارة للحقيقة، وقال بصوت خفيض:

— أبلغتُ الشرطة بحقيقة ما جرى، وسعيد الآن تحت التحقيق… ياسمين، هل فارس يجعلكِ سعيدة؟

— أنا أثق به.

— لم تكتسبي هذه الثقة بي قط…

— بل كنتُ أثق بكَ سابًقًا، لكنك خذلتني.

دمعت عينياه وقال:

— لو كان بإمكاني إعادة الزمن…

— لا يمكنك. الفتاة التي كانت تنتظر اتصالك وتترقب أن تنقذها كانت في الثانية والعشرين من عمرها… أما الآن، فقد فوات الأوان.

غادر طارق، وكانت تلك هي النهاية الحقيقية لقصتنا.

بعد مرور عام كامل…

أقمتُ معرِضًا جديدًا لفساتيني. وكانت القطعة الرئيسية فستان زفاف أبيض ساحرًا، لا يشبه “نجمة الليل” في شيء. كان ذا خطوط أنسيابية مطرزًا بكريستالات صغيرة تتلألأ كأنها مجرة نجوم.

سألتني داليا:

— ما اسمه؟

— «الوطن».

— هل تسميته بسبب فارس؟

— لا… بل بسبب نفسي.

فقد تعلمتُ أخيرًا أن الوطن ليس شخصًا، ليس طارقًا ولا فارسًا ولا حتى عائلتي… الوطن هو أن تتنفس دون خوف، أن تملك حق القبول والرفض، أن تنتمي لنفسك أولاً.

بعد العرض، وجدّتُ فارس ينتظرني خلف الكواليس وبيده باقة زهور:

— كنتِ مذهلة.

— الفستان كان مذهلاً.

— وأنتِ أبهى منه.

ثم أشار بيده:

— هناك من يريد تهنئتكِ.

التفتُّ لأجد طارق يقف هناك بمفرده. اقترب بخطوات هادئة وقال:

— التشكيلة رائعة… وهذا الفستان أجمل بكثير من “نجمة الليل”.

— بل أفضل بكثير —أجبتُه.

تطلع طارق إلى فارس وقال:

— اعتَنِ بها.

ابتسم فارس وقال بثبات:

— ياسمين تعرف كيف تعتني بنفسها جيدًا… أنا فقط محظوظ بوجودي بجانبها.

ابتسم طارق ابتسامة حزينة:

— نعم… أظن أن هذا هو الفارق بيننا.

ثم انسحب بهدوء.

أمسك فارس بيدي وسألني بئحنان:

— هل أنتِ بخير؟

— نعم… أنا بخير تمامًا.

طوال ثلاث سنوات، ظن الجميع أن مأساتي كانت خسارة الرجل الذي أردتُ الزواج منه… لكنهم كانوا مخطئين. مأساتي الحقيقية كانت خسارتي لصوتي ونفسي وأنا أحاول استجداء الحب.

ولم يكن انتصاري الأكبر هو انكشاف كذب سارة، ولا ندم طارق وإلغاء زفافه… بل كان شيئًا أبسط من ذلك بكثير:

أن أعود إلى بيتي، أنظر إلى المرآة، وأكتشف أن المرأة التي عادت من المنفى لم تعد بحاجة لأن يختارها أحد… لأنها أخيرًا، اختارت نفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *