عودة من المنفى – محمد نور
لكنني تعلمتُ درسًا مفصليًا:
أحيانًا يتوقف المرء عن الحب ليس لأن المشاعر تلاشت… بل لأن النجاة بنفسه أصبحت هي الأهم.
بعد يومين، ظهر طارق في منزلنا.
لم أره منذ ثلاث سنوات كاملة. كان كما هو: طويل القامة، مهيبًا، وشديد البرودة.
لكن حين نزلتُ درجات السلم ورأيته، لم أشعر بأي شيء على الإطلاق.
قلتُ بنبرة جافة:
— سيد طارق، خيرًا؟ ما الذي تحتاجه؟
لأول مرة رأيتُ على وجهه ملامح الذهول والارتباك.
— سارة تريد شراء فستان “نجمة الليل”.
سدت اللحظة سكونًا تامًا.
فستان “نجمة الليل” كان فستان الزفاف الذي صممته بيدي… فستاني أنا. الفستان الذي نسجتُ تفاصيله حين كنتُ أحلم يومًا بأن أكون عروسه.
قلتُ دون تردد:
— ثلاثة ملايين.
عقد حاجبيه بخفة وسأل:
— هل ستبيعينه حقًا؟
— بكتير.
صعدتُ إلى الأعلى، أ حضرتُ العقد، وقّعتُ عليه ثم ناولته إياه:
— بعد إتمام التحويل، يمكنكما أخذه.
أطال طارق النظر إليّ لثوانٍ طويلة. ربما كان ينتظر دموعًا، أو توسلًا، أو شاكلة “ياسمين” القديمة التي يعرفها. لكن تلك الفتاة اندفنت في أرض بعيدة جدًا عن هنا.
وقع على الأوراق، دفع المبلغ، وغادر.
بعد أيام، خرجتُ للعشاء مع صديقتي داليا.
وفجأة، ظهرت سارة وهي محاطة بصديقاتها. وما إن رأتني حتى ابتسمت بخبث وقالت:
— ياسمين! شكراً لكِ على بيع “نجمة الليل” لي… طالما أُعجبتُ بهذا الفستان.
تعالت ضحكات صديقاتها الخفيفة والمستفزة، ثم تابعت:
— طارق رجل مذهل بحق… مجرد أن ألمحتُ له أنني أحبه، ذهب فورًا واشتراه لأجلي.
كانت تحاول استفزازي وإخراجي عن صمتي. “ياسمين” القديمة كانت لتفقد أعصابها وتفتعل مشاجرة، أما أنا فاكتفيتُ بابتسامة هادئة وقصيرة:
للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور
— لا داعي لشكر المشتري يا سارة… لقد قبضتُ ثلاثة ملايين مقابل قطعة قماش.
تصلبت ابتسامة سارة، بينما اندفعت إحدى صديقاتها قائلة:
— أتصور كم هو مؤلم أن تري امرأة أخرى تزف إلى الرجل الذي أفنيتِ سنوات عمركِ في حبه!
نظرتُ إليها بثبات:
— ليس بالشكل الذي تتخيلينه.
وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفي بتنبيه رسالة.
فارس: “أنا في المدينة الآن. أخبريني أين أنتِ.”
لمحت سارة الاسم المكتوب على الشاشة، وشحب وجهها في الحال.
فالجميع يعرف من هو فارس المكتوم.