عودة من المنفى - محمد نور الرجل الذي نفاني لمدة ثلاث سنوات كان على وشك الزواج… وأنا اكتفيت بإرسال رسالة واحدة. من أجل "إعطائي درسًا لن أنساه"، أجبر طارق الهلالي عائلتي على إبعادي خارج البلاد. وبعد ثلاث سنوات، عدتُ إلى الوطن أضعف جسدًا، مغطاة بالندوب، وتطاردني كوابيس ما زالت توقظني في هَزيع الليل الأخير. وفي اليوم نفسه الذي وطئت فيه قدمي أرض الوطن، اكتشفتُ أن طارقًا يستعد لزفافه. كان والداي مرعوبين من أن أفتعل مشهدًا أو أفسد الأمر، لدرجة أنهما فرضَا عليّ ما يشبه الإقامة الجبرية في المنزل. لكن في تلك الليلة، أخذتُ هاتفي وكتبتُ رسالة واحدة فقط: “فارس… لقد عدت. أفتقدك.” لسنوات طويلة، اعتقد الجميع أنني مبتلاة بحب طارق والهوس به. وكان لديهم كل الحق في التفكير هكذا. عندما كنتُ أصغر سنًا، كانت أي امرأة تقترب منه تقتحم قائمتي كعدوّة فورية. كبرتُ وأنا متيقنة تمامًا أنني سأكون زوجته في نهاية المطاف. لهذا السبب، كادت أمي تُسقط كوب الشاي من يدها وهي تسمعني أسأل بنبرة هادئة: — هل سيتزوج طارق من سارة؟ تجنب أبي النظر في عيني وقال بنبرة متلعثمة: — ياسمين… يا بنيتي… رددتُ وأنا أسكب لنفسي كوبًا من الماء: — مجرد سؤال. سأصعد لأكمل بعض التصاميم، هل يمكنكما إرسال العشاء إلى غرفتي لاحقًا؟ ظلت أمي تحدق بي وكأنها تنتظر انفجارًا وشيكًا، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور قبل ثلاث سنوات، أكلت سارة قطعة من حلوى المانجو كنتُ قد أعددتها لنفسي. كانت تعاني من حساسية شديدة تجاهها، وكادت تطيح بحياتها. ادّعت سارة حينها أنني قدمتها لها عمداً لإيذائها، وظللتُ أكرر مرارًا وتكرارًا أنني لم أعرض عليها قطعتي قط، لكن لم يستمع إليّ أحد. وكان طارق أولهم وأشدهم قسوة. ما زلتُ أذكر القبلة الشديدة التي أمسك بها ذراعي وهو يقول بانتفاضة زدرائية: — “كنتُ أتحمل نزواتكِ وصبيانيتكِ لأنكِ كنتِ صغيرة، أما اللعب بأرواح الناس فهذا أمر لا يُغتفر!” — “هي من أخذت طعامي دون إذني!” — “اعتذري لها الآن.” — “لن أفعل.” بعد أسبوعين، وجدتُ نفسي وحيدة في بلاد الغربة… “لكي أراجع نفسي”، كما زعموا. لم يسألني أحد عما حدث لي هناك، ولم يهتم أحد بالسبب الذي جعلني أعود وأنا أحمل كل هذه الندوب. لكنني تعلمتُ درسًا مفصليًا: أحيانًا يتوقف المرء عن الحب ليس لأن المشاعر تلاشت… بل لأن النجاة بنفسه أصبحت هي الأهم. بعد يومين، ظهر طارق في منزلنا. لم أره منذ ثلاث سنوات كاملة. كان كما هو: طويل القامة، مهيبًا، وشديد البرودة. لكن حين نزلتُ درجات السلم ورأيته، لم أشعر بأي شيء على الإطلاق. قلتُ بنبرة جافة: — سيد طارق، خيرًا؟ ما الذي تحتاجه؟ لأول مرة رأيتُ على وجهه ملامح الذهول والارتباك. — سارة تريد شراء فستان “نجمة الليل”. سدت اللحظة سكونًا تامًا. فستان “نجمة الليل” كان فستان الزفاف الذي صممته بيدي… فستاني أنا. الفستان الذي نسجتُ تفاصيله حين كنتُ أحلم يومًا بأن أكون عروسه. قلتُ دون تردد: — ثلاثة ملايين. عقد حاجبيه بخفة وسأل: — هل ستبيعينه حقًا؟ — بكتير. صعدتُ إلى الأعلى، أ حضرتُ العقد، وقّعتُ عليه ثم ناولته إياه: — بعد إتمام التحويل، يمكنكما أخذه. أطال طارق النظر إليّ لثوانٍ طويلة. ربما كان ينتظر دموعًا، أو توسلًا، أو شاكلة “ياسمين” القديمة التي يعرفها. لكن تلك الفتاة اندفنت في أرض بعيدة جدًا عن هنا. وقع على الأوراق، دفع المبلغ، وغادر. بعد أيام، خرجتُ للعشاء مع صديقتي داليا. وفجأة، ظهرت سارة وهي محاطة بصديقاتها. وما إن رأتني حتى ابتسمت بخبث وقالت: — ياسمين! شكراً لكِ على بيع “نجمة الليل” لي… طالما أُعجبتُ بهذا الفستان. تعالت ضحكات صديقاتها الخفيفة والمستفزة، ثم تابعت: — طارق رجل مذهل بحق… مجرد أن ألمحتُ له أنني أحبه، ذهب فورًا واشتراه لأجلي. كانت تحاول استفزازي وإخراجي عن صمتي. “ياسمين” القديمة كانت لتفقد أعصابها وتفتعل مشاجرة، أما أنا فاكتفيتُ بابتسامة هادئة وقصيرة: للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور — لا داعي لشكر المشتري يا سارة… لقد قبضتُ ثلاثة ملايين مقابل قطعة قماش. تصلبت ابتسامة سارة، بينما اندفعت إحدى صديقاتها قائلة: — أتصور كم هو مؤلم أن تري امرأة أخرى تزف إلى الرجل الذي أفنيتِ سنوات عمركِ في حبه! نظرتُ إليها بثبات: — ليس بالشكل الذي تتخيلينه. وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفي بتنبيه رسالة. فارس: “أنا في المدينة الآن. أخبريني أين أنتِ.” لمحت سارة الاسم المكتوب على الشاشة، وشحب وجهها في الحال. فالجميع يعرف من هو فارس المكتوم. والجميع يعلم حقيقة واحدة: إن كان طارق الهلالي يستطيع فرض سيطرته ومهابته في أي مكان يطأه… فإن ذلك يتوقف تمامًا حين يكون فارس المكتوم حاضرًا. بعد خمس دقائق، توقفت سيارة سوداء فارهة أمام المطعم. فتُح الباب، ونزل منها فارس. سار بخطوات واثقة مستقيمة نحوي مباشرة، متجاهلاً سارة وكل من في القاعة، ثم أحاطني بذراعيه وضمّني إليه. همس بجانب أذني بصوت دافئ: — ثلاث سنوات كاملة… هل تعلمين كم انتظرتُ هذه المكالمة؟ رفعتُ بصري إليه… وفي تلك اللحظة بالذات، ألمحتُ طارقًا يقف خلف سارة. كان قد دخل المطعم للتو دون أن يشعر به أحد. كانت نظراته معلقة وجمادًا على يد فارس الملفوفة حول خصرِي. ولأول مرة منذ سنوات طويلة… يبدو أن طارق الهلالي قد نسي كيف يتنفس. ساد المطعمَ صمتٌ مطبقٌ حتى كدتُ أسمع صرير السكاكين وهي تسقط على الأطباق في أقصى القاعة. كان فارس ما يزال يطوقني بذراعيه، ولم أبتعد عنه… ليس بدافع إثارة غضب أحد، بل لمجرد أنه بعد ثلاث سنوات عاصفة، كان هذا العناق هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه بأمانٍ حقيقي. قلتُ بصوت خافت: — لقد وصلتَ سريعًا. ابتعد فارس قليلًا ليحدق في عينيّ: — كتبتي لي “أفتقدك”… ولو تطلب الأمر لقطعتُ المحيطات إليكِ. — ما زلتَ تبالغ كعادتك. — معكِ أنتِ فقط. كانت صديقتي داليا تنظر إلينا بعينين متسعتين من الذهول، وكذلك سارة… لكن النظرة التي كان يصعب تجاهلها بحق هي نظرة طارق الهلالي. كان يقف على بعد أمتار منا، مرتديًا بدلة رمادية داكنة، وإحدى يديه تسند ظهر كرسي سارة. كان قد جاء لأجلها بالطبع، فهما خطيبان… ورغم ذلك، لم تكن عيناه معلقتين على عروسه المستقبلية، بل كانتا منثبرتين عليّ… أو بالأحرى، على فارس ويده التي تلتف حول خصرِي. كسر فارس الصمت متسائلًا بنبرة جادة: — لم أكن أعلم أنكِ عدتِ إلى البلاد… متى وصلتِ؟ — قبل أيام قليلة. انقبض فكه وقال: — ولماذا لم يخبرني أحد؟ — لأنني طلبتُ منهم ألا يفعلوا. أدرك فارس شيئًا ما، ولم يضغط عليّ في السؤال. كان هذا دائمًا هو الفارق الجوهري بينه وبين طارق… فارس يعرف متى يسأل، والأهم من ذلك: متى يتوقف عن السؤال. اقتربت سارة وقالت بابتسامة متصنعة: — فارس المكتوم… يا لها من مفاجأة! نظر إليها فارس وكأنه يحتاج ثانية لتذكر من تكون: — سارة. — لم أكن أعلم أنك وياسمين ما زلتما على تواصل. — ولم أكن أعلم أننا مطالبون بإعلان ذلك للعامة. بهتت ابتسامة سارة، بينما حاولت داليا كتم كتمة ضحكة كادت تخرج منها. وأخيرًا، تحدث طارق بصوت خفيض… ذلك الصوت الذي كان لسنوات كفيلًا بجعلي ألتفت فورًا، لكنني هذه المرة لم أشعر بشيء: — ياسمين… نظرتُ إليه بثبات: — سيد طارق. ظهر ذاك التغير الطفيف على وجهه مجددًا، وكأن رسميتي في الحديث معه تؤذيه أكثر مما يريد الاعتراف به. — هل أنتِ وفارس…؟ —توقف عن الكلام. رفع فارس حاجبه وقال: — ياسمين وأنا… ماذا؟ تجهّم وجه طارق وقال: — لم أكن أوجّه السؤال إليك. — إذًا اطرح سؤالًا كاملًا. تدخلت سارة بسرعة وهي تمسك بذراع طارق: — طارق، لا يهم… جئنا لنلتقي بالعشاء، وغدًا لدينا تفاصيل كثيرة لنراجعها بشأن الزفاف. أُلقيت كلمة "الزفاف" بيننا بعناية مقصودة. "ياسمين" القديمة كانت لتشعر وكأن أحدهم ينتزع قلبها من صدرها، أما أنا، فلم أفكر إلا في أن سارة ستتحاج إلى تعديل مقاس الخصر في فستان "نجمة الليل"، لأنه صُمم أصلًا ليلائم مقاساتي أنا. قال فارس بنبرة باردة: — مبارك لكما… أتمنى لكما السعادة. ثم التفت إليّ: — هل أنهيتِ عشاءكِ؟ — ليس بعد. — ممتاز، أنا جائع جدًا. جلس بجوار داليا بكل أريحية وكأن الأمر طبيعي تمامًا. ظل طارق واقفًا لدقائق دون حراك، قبل أن تجذبه سارة برفق ليتوجها إلى طاولتهما. وطوال السهرة، كنتُ ألمح نظرات تتجه نحوي بين الحين والآخر… ولم أكن بحاجة للتأكد مَن صاحبها. أوصلني فارس إلى المنزل في تلك الليلة. وعندما توقفت السيارة أمام البوابة، لم أتحرك لأخرج، وهو كذلك لم يتكلم. ظللنا ننظر إلى البيت المضاء، حتى سألني أخيرًا: — ما الذي حدث لكِ هناك يا ياسمين؟ شددتُ قبضة يدي على حزام الأمان: — لا شيء. — ياسمين… نطق اسمي بذاك الهدوء فحسب، وكان ذلك كافيًا. لثلاث سنوات سمعتُ عبارات من قبيل: "انسَي الأمر"، "لقد انتهى كل شيء"، "كوني قوية". لكن فارس لم يقل أيًا من ذلك… بل انتظر. رفعتُ أكمام قميصي ببطء. كانت هناك ندبة طويلة تقع بالقرب من المرفق، وأخرى أصغر بجوار المعصم. توقف نفس فارس لثانية، وسأل بصوت كتمه الغضب: — مَن فعل بكِ هذا؟ — لا أريد الحديث عن الأمر الليلة. — حسناً… متى ما أردتِ الكلام، أنا هنا لأسمعكِ. احترقت عيناي بالدموع، فالتفتُ عنه قائلة: — لا تجعلني أبكي. — لم أكن أحاول ذلك. — أنت سيئ للغاية. — ورغم ذلك اشتقتِ إليّ. ابتسمتُ لأول مرة منذ زمن طويل. وقبل أن أنزل، قال: — ياسمين… لا تختفي مجددًا. — لن أفعل. كان من المقرر عقد زفاف طارق وسارة بعد ستة أسابيع. لم تكن لديّ أي نية للمشاركة في أي شيء يخصهما، لكن سارة كان لها رأي آخر. بعد ثلاثة أيام، تلقيتُ اتصالًا من دار التصميم الخاصة بي. — آنسة ياسمين —قالت مساعدتي— لدينا مشكلة بشأن فستان "نجمة الليل". — ما الأمر؟ — الآنسة سارة تريد تعديل التصميم. — الفستان أصبح ملكها الآن. — ليس تمامًا… لقد اشتروا القطعة الأصلية، لكن حقوق التصميم تجاريًا ما زالت لكِ. هي تريد منا تصنيع سبعة فساتين مماثلة لرفيقاتها، وتريد إعلان أن الفستان كان تصميمًا مشتركًا بينكِ وبينها! ساد الصمت لثوانٍ قبل أن أقول: — رفضي طلبها. — فعلنا، فهددت بالاتصال بالسيد طارق. كادت ضحكة ساخرة تخرج مني: — لتتصل به إذًا. بعد ساعتين، دخل طارق إلى مرسمي. لم أندهش. — ياسمين… — سيد طارق. — هل يمكننا الحديث؟ — إن كان الأمر يتعلق بالفساتين، فجوابي هو الرفض. — سارة فقط تريد… — هي اشترت قطعة واحدة، لم تشترِ اسمي، ولا دار تصميمي، ولا حقوق الملكية الفكرية. صمت طارق، فوضعتُ قلمي على الطاولة وقلت: — كل شيء موضح في العقد الذي وقّعتَ عليه بنفسك. — أعلم ما وقّعتُ عليه. — إذًا لا أفهم سبب وجودك هنا. تجهّمت ملامحه وقال: — هل عليكِ دائمًا الحديث معي بهذه الطريقة؟ — بأي طريقة؟ — وكأننا غريبان! تأملتُ وجهه لثوانٍ: — نحن غريبان بالفعل. مرّ شيء كالحسرة في عينيه، أو ربما هو الارتباك: — نحن نعرف بعضنا منذ أن كنتِ في السابعة من عمركِ! — ولم ترني طوال السنوات الثلاث الماضية. — هذا لا يمحو… — بل يمحو! —قاطعتُه هادئة— لا يمحو شيئًا من الماضي، ولا يمحو اتّهامك لي بأنني حاولتُ إيذاء سارة. — لم أقل "إيذاء" قط! — بل قلتَ إنني لعبتُ بأرواح البشر! حايد طارق بنظره بعيدًا، فقد تذكر كلماته القاسية: — الظروف حينها كانت… — هل كنتَ تعلم أن سارة تعاني من حساسية المانجو؟ — نعم. — وأنا أيضًا أعلم. لكن هل كنتَ تعلم أن تلك الحلوى كانت محفوظة في صندوق داخل ثلاجة غرفتي الخاصة؟ — … — وهل كنتَ تعلم أن اسمي كان مكتوبًا عليها؟ — ياسمين… — وهل كنتَ تعلم أن سارة دخلت غرفتي في غيابي وأخذتها؟ لم يجب. قمتُ من مقعدي وقلت: — لا، لم تكن تعلم. لأنك لم تسأل قط! — سارة قالت… — وكان كلامها كافيًا بالنسبة لك. ساد صمت ثقيل. لم أعد غاضبة، وربما كان هذا أكثر ما يزعجه… فالكره ما زال يصنع رابطًا، أما اللامبالاة فلا تُبقي على شيء. — على أي حال —قلتُ وأنا أشير للباب— موضوع الفساتين حُسم. كان يبدو أنه يريد قول المزيد، ثم سأل فجأة: — منذ متى وأنتِ مع فارس؟ — هذا ليس من شأنك أيضًا. — أنا فقط أسأل. — وأنا أجبت. أتمنى لك يومًا طيبًا، لديّ عمل. وقف طارق قليلًا، وقبل أن يخرج قال: — فارس ليس بالبساطة التي تظنينها. — غريب! — ما الغريب؟ — قبل ثلاث سنوات، كنتَ تظن أيضًا أنك تعرف تمامًا مَن أكون. ثم أغلقتُ الباب. في تلك الليلة، دعاني فارس للعشاء، وقصصتُ عليه ما حدث. — إنه يغار —قال فارس وهو يقطع قطعة اللحم بهدوء. كِدتُ أشرق بالماء: — مَن؟ طارق؟ إنه على وشك الزواج! — هذا لا يمنعه من أن يكون أحمق. لا يوجد رجل على وشك الزواج يأتي بنفسه لدار تصميم امرأة أخرى من أجل فساتين رفيقات العروس. — سارة هي من اتصلت به. — بالطبع! أعرف طارق منذ أيام الجامعة، كلينا يعلم ما يضمره الآخر. ضحكتُ بخفة، فنظر إليّ فارس بابتسامة دافئة وقال: — لا تنظري إليّ هكذا… أنا فقط أقول الحقيقة. لكن ما كان يشغل بالي حقًا ليس طارق ولا سارة. طوال سنوات تجنبتُ إخبار عائلتي بما حدث لي في الخارج، لم أرد نبش الماضي. لكن عودتي وظهوري مع فارس جلبا الانتباه، وكنتُ أخشى أن يكتشف شخص ما من الماضي وجودي هنا. وبعد يومين… حدث ما كنتُ أخشاه. وصلتني علبة دون اسم المنيب. داخلها صورة لي وأنا أخرج من مستشفى في لندن قبل سنتين، وخلف الصورة كُتبت كلمات أربع: “ظننتُ أنكِ تعلمتِ الدرس.” توقف العالم من حولي. بدأت أطرافي ترتجف، وسقطت العلبة من يدي. أسرعت مساعدتي للداخل: — آنسة ياسمين! هل أنتِ بخير؟ لم أستطع الرد. فجأة لم أعد في المرسم… بل أصبحتُ مجددًا في الشقة المظلمة هناك، والأبواب مغلقة، وصوت زجاج مكسور، وصوت رجل يهمس بتهديد: "إن تكلمتِ، لن يصدقكِ أحد." للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور تراجعتُ حتى اصطدمتُ بالجدار، وحين امتدت يد لتمسك بي، صرختُ بذعر! — هذا أنا! ياسمين… انظري إليّ، إنه أنا، فارس! ترك ذراعي فورًا وقال: — لن ألمسكِ، تنفسي… أنا هنا. استغرقتُ ثواني لأستوعب وجوده. رأى فارس الصورة الملقاة على الأرض، التقطها، وتغيرت ملامح وجهه تمامًا: — مَن أرسل هذا؟ — لا أعلم… —لكنها كانت كذبة، كان لديّ حدس. غمضتُ عينيّ وقلتُ بصوت مرتجف: — عندما أبعدني طارق، تركت عائلتي أمر إقامتي لوكالة عقارية هناك. وكان الرجل الذي يدير البناية يُدعى سعيد. في البداية كان لطيفًا، ثم بدأ يقتحم الشقة دون إذن، يراقب خروجي ودخولي، وحين حاولتُ الانتقال، ادّعى أنني مديونة له وسرق جواز سفري لأسابيع… وفي إحدى الليالي حاول… لم أستطع الإكمال. ضغط فارس على الصورة حتى تجعدت في قبضته: — هل آذاكِ؟ — هربتُ منه… سقطتُ من سلم طوارئ الحريق… الندوب في جسدي كانت بسبب ذلك السقوط. غمض فارس عينيه بألم: — هل أبلغتِ الشرطة؟ — نعم، لكن سعيد قال للجميع إنني مريضة ونفسيتي غير مستقرة، وأن عائلتي نفَتني للخارج بسبب سلوكي الطائش. شحب وجه فارس. أدرك كل شيء… كلمات طارق، اتهامات سارة، نفيي إلى الخارج… كل ذلك صنع قصة مثالية لتكذيب أي شكوى أتقدم بها. — هل تعلم عائلتكِ؟ — لا. — وطارق؟ — لا أحد يعلم. — لماذا لم تتصلي بي حينها؟ كان السؤال تؤلم: — اتصلتُ بكَ في الأسبوع الأول… لكن رقمك كان مقطوعًا. تجمّد فارس: — ماذا؟ أنا لم أغير رقمي قط! تنبهنا معًا للأمر… شحب وجهي: — إذًا… أحدهم حظر رقمك من هاتفي قبل أن أسافر! — مَن كان يملك هاتفكِ حينها؟ — أمي، أبي، طارق… وسارة كانت في منزلنا في ذلك اليوم. أخذ فارس الصورة وقال بصرامة: — سأعرف مَن يقف خلف هذا. — لا يا فارس… لا أريد رجلاً أخر يقرر نيابة عني ما يجب فعله. صمت فارس، فأدركتُ أن نبرتي كانت قاسية، فقلتُ بأسف: — اعتذر. — لا تعتذري… —جلس أمامي وقال— إذًا أخبريني أنتِ: ماذا تريدين؟ كادت الدموع تفر من عيني. ماذا أريد؟ طوال حياتي كان الجميع يقرر عني: طارق قرر أنني مذنبة، والداي قررا إبعادي، سعيد قرر السيطرة عليّ، وسارة قررت أن وجودي يهددها. نظرتُ إلى الصورة وقلتُ بثبات: — أريد أن أكفّ عن الخوف. أومأ فارس: — إذًا سنبدأ من هنا. لم يستغرق التحقيق وقتًا طويلًا. سعيد كان قد عاد إلى البلاد قبل ستة أشهر، ويعمل مستشارًا لشركة عقارية تملك عائلة سارة حصة كبيرة فيها! وحين أطلعني فارس على وثائق قديمة، اكتشفنا أن سعيد تم ترشيحه للإشراف على شقتي بناءً على توصية خاصة من مكتب سارة قبل سفري بثلاثة أيام! ذهبتُ لمواجهة سارة في قاعة الفحص أثناء بروفات فستان الزفاف. كانت ترتدي "نجمة الليل" —الفستان الذي صممته ليومي الموعود. طلب فارس من المساعدات الخروج. نظرت سارة إليّ بالمرآة وقالت: — لم أكن أعلم أنكِ ستأتين… ما رأيكِ؟ — الفستان جميل… صممته بحب لسنوات، لكنه لم يعد يعنيني. ثم أخرجتُ الصورة ووضعتها أمامها. شحب وجه سارة تمامًا: — ما هذا؟ — سعيد… أنتِ من أرسلته لي، عائلتكِ وظفته بتوصية منكِ! — أنا… أنا فقط أردتكِ أن تبعدي عن طارق! — أبعدتيني، ولكنه كان يقتحم شقتي، سرق جواز سفري، وانتهى بي المطاف في المستشفى بسبب هربي منه! تراجعت سارة للخلف بذعر: — أقسم لكِ أنني لم أطلب منه إيذاءكِ! أردتُ فقط أن يراقبكِ لأعرف إن كنتِ ستعودين! في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل طارق: — ما الذي يجري هنا؟ تطلّع طارق إلى الصورة، ثم إليّ: — مستشفى؟ ياسمين… أي مستشفى هذا؟ — لا يهم الآن يا سيد طارق. — بل يهم! — الآن يهم؟ —قلتُها بنبرة باردة كالثلج— بعد ثلاث سنوات، أصبح الأمر يهمك فجأة؟ ساد الصمت، وسردتُ أمامه كل شيء بالخطوط العريضة: المراقبة، احتجاز الجواز، التهديدات، السقوط، والمستشفى. تصلب طارق في مكانه وكأنه تلقى صفعة: — لماذا… لماذا لم تقولي شيئًا؟ — لأنني في آخر مرة قلتُ فيها "لستُ أنا"، أبعدتني خارج البلاد! انهارت سارة باكية، فالتفت إليها طارق وعيناه تتشتعان غضبًا: — أنتِ من واخترتِ ذلك المكان لها! — أردتُ إبعادها عنك فقط! — وماذا عن قطعة الحلوى؟ —سأل طارق فجأة. توقفت سارة عن البكاء، وساد سكون مرعب. — ماذا حدث حقًا في سالفة حلوى المانجو؟ —كرر طارق بصوت مرعب. همست سارة وهي تطأطئ رأسها: — كنتُ أعلم أن بها مانجو… وأخذتُ مضادات الحساسية قبلها، ظننتُ أنني سأصاب بطفح جلدي بسيط فقط… — لماذا؟! —صرخ طارق. — لأنني كنتُ أعلم أن الجميع سيتهم ياسمين! أردتكَ أن تتوقف عن الدفاع عنها دائمًا! تراجع طارق خطوة إلى الخلف مصدومًا: — كدتِ تموتين… وجعلتنا نلقي باللائمة على ياسمين وننفِيها! نظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى في حياته… ثم ألغى الزفاف في اليوم نفسه. انتشر الخبر كالنار في الهشيم. اعترفت سارة بتمثيلية الحلوى وتورطها في تسهيل مراقبتي. اكتشفت عائلتي الحقيقة كاملة، وبكت أمي حتى جف صوتها، بينما جلس أبي أمامي لساعة كاملة دون أن ينبس ببنت شفة، قبل أن يقول بنبرة مكسورة: — لقد خذلناكِ يا بنيتي… سامحينا. أما طارق، فقد جاء إلى مرسمي بعد أسبوع. كان يبدو إنسانًا آخر، انكسرت كبرياؤه. سلمني إقرارًا رسميًا منه ومن سارة للحقيقة، وقال بصوت خفيض: — أبلغتُ الشرطة بحقيقة ما جرى، وسعيد الآن تحت التحقيق… ياسمين، هل فارس يجعلكِ سعيدة؟ — أنا أثق به. — لم تكتسبي هذه الثقة بي قط… — بل كنتُ أثق بكَ سابًقًا، لكنك خذلتني. دمعت عينياه وقال: — لو كان بإمكاني إعادة الزمن… — لا يمكنك. الفتاة التي كانت تنتظر اتصالك وتترقب أن تنقذها كانت في الثانية والعشرين من عمرها… أما الآن، فقد فوات الأوان. غادر طارق، وكانت تلك هي النهاية الحقيقية لقصتنا. بعد مرور عام كامل… أقمتُ معرِضًا جديدًا لفساتيني. وكانت القطعة الرئيسية فستان زفاف أبيض ساحرًا، لا يشبه "نجمة الليل" في شيء. كان ذا خطوط أنسيابية مطرزًا بكريستالات صغيرة تتلألأ كأنها مجرة نجوم. سألتني داليا: — ما اسمه؟ — «الوطن». — هل تسميته بسبب فارس؟ — لا… بل بسبب نفسي. فقد تعلمتُ أخيرًا أن الوطن ليس شخصًا، ليس طارقًا ولا فارسًا ولا حتى عائلتي… الوطن هو أن تتنفس دون خوف، أن تملك حق القبول والرفض، أن تنتمي لنفسك أولاً. بعد العرض، وجدّتُ فارس ينتظرني خلف الكواليس وبيده باقة زهور: — كنتِ مذهلة. — الفستان كان مذهلاً. — وأنتِ أبهى منه. ثم أشار بيده: — هناك من يريد تهنئتكِ. التفتُّ لأجد طارق يقف هناك بمفرده. اقترب بخطوات هادئة وقال: — التشكيلة رائعة… وهذا الفستان أجمل بكثير من "نجمة الليل". — بل أفضل بكثير —أجبتُه. تطلع طارق إلى فارس وقال: — اعتَنِ بها. ابتسم فارس وقال بثبات: — ياسمين تعرف كيف تعتني بنفسها جيدًا… أنا فقط محظوظ بوجودي بجانبها. ابتسم طارق ابتسامة حزينة: — نعم… أظن أن هذا هو الفارق بيننا. ثم انسحب بهدوء. أمسك فارس بيدي وسألني بئحنان: — هل أنتِ بخير؟ — نعم… أنا بخير تمامًا. طوال ثلاث سنوات، ظن الجميع أن مأساتي كانت خسارة الرجل الذي أردتُ الزواج منه… لكنهم كانوا مخطئين. مأساتي الحقيقية كانت خسارتي لصوتي ونفسي وأنا أحاول استجداء الحب. ولم يكن انتصاري الأكبر هو انكشاف كذب سارة، ولا ندم طارق وإلغاء زفافه… بل كان شيئًا أبسط من ذلك بكثير: أن أعود إلى بيتي، أنظر إلى المرآة، وأكتشف أن المرأة التي عادت من المنفى لم تعد بحاجة لأن يختارها أحد… لأنها أخيرًا، اختارت نفسها. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد