طلاق وضياع – محمد نور

احتضنتني ندى، فأغمضتُ عينيّ. وخلفها رأيتُ ليلى تنظر إلينا. التقت أعيننا؛ لم يكن بيننا حب أو رغبة في العودة، وفهمتُ أن ذلك أمر طبيعي. زواجنا انتهى، لكن مسؤوليتنا كأبوين كان يجب ألا تنتهي معه أبداً.

اقترب ماجد بعرجته: «إذاً يا بطل، هل ستذهب في رحلة خلاء أيضاً؟»

— «نعم.»

— «أتمنى أن تتحمل المشي!»

نظرتُ إلى ساقه: «يقول هذا الرجل الذي لا يزال يعرج!»

ضحكت ندى: «كلاكما عجوزان!»

احتججنا في وقت واحد: «عجوزان؟!»

ملأت ضحكتها موقف السيارات.

وبينما كنتُ أستمع إليها، فكرتُ في تلك العصريّة، قبل عام، عندما صرخت طفلة: «بابا!» في ممر المدرسة، ونظرتُ حولي ظاناً أنها لا يمكن أن تكون ابنتي.

الحقيقة كانت أشد قسوة: كان يمكن أن تكون هي… لكنني فقط كنت قد توقفتُ عن انتظار نداءها.

طوال وقت طويل، ظننتُ أنني بعد الطلاق وجدتُ المرأة المناسبة؛ زوجة لا تسأل، لا تجادل، ولا تراجع قراراتي. لكنني فهمتُ متأخراً جداً أن الحياة الهادئة ليست دائماً هي الحياة الصحيحة. أحياناً لا يعني الصمتُ الثقة… بل يعني ألا أحد يجرؤ على قول ما تؤلم.

وفهمتُ ما هو أهم: قضيتُ أشهراً وأنا أحاول إثبات أنني أب جيد لزياد، بينما كنتُ أجهل أن ندى لا تزال تنتظر أباها هي.

لا يمكنني استعادة الاجتماعات التي فاتتني، ولا ذلك العرض المدرسي، ولا الليالي التي بكت فيها ابنتي وهي تظن أن أباها اختار عائلة أخرى. هناك أخطاء لا تمحوها الاعتذارات، بل تُعالج فقط بالوقت… وبالصبر… وبالتواجد.

ولهذا، عندما أمسكت ندى بيدي ونحن نسير نحو السيارة، لم أوعدها بأنني لن أخذلها مجدداً… فالآباء يخطئون أيضاً.

فقط شددتُ على أصابعها الصغيرة بين أصابعي، ومشيتُ بجانبها.

فربما لم تكن الأبوة يوماً تتلخص في أن تناديك طفلتك بـ “بابا”… بل كانت تتلخص في شيء أشد صعوبة: أن تكون هناك في كل مرة تناديك فيها.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *