ليلى – محمد نور

بل وحتى لأن نادين اشتكت من أنها لا تريد لأحد أن يعكر صفو رحلتهما، قام عمر بنفسه بإغلاق هاتفه الشخصي.

ولولا أنه التقى بالصدفة بصديق قديم من الرياض في أحد مطاعم ريكيافيك، وسمعه يسأله بملامح صدمة:

“عمر، ابنك توفي للتو.. لماذا ما زلت هنا في أيسلندا؟”

لربما كان عمر حتى هذه اللحظة واقفا مع نادين تحت سماء أوروبا الشمالية، ينتظران ظهور الشفق القطبي.

وسواء كان ذلك شعوراً بالذنب أم بالحرج، تحولت ملامح عمر فوراً إلى الجمود والبرود.

“إذا لم تتمكني من الوصول إلي، ألم يكن بمقدورك الاتصال بالقصر الكبير؟”

ارتفعت نبرة صوته أكثر:

“كم خادماً يوجد في هذا البيت؟ هناك سائقون وهناك حراس!”

” أنا حقاً لا أفهم كيف ترعين طفلاً!”

“حتى طفل صغير لم تستطيعي حمايته!”

بمجرد خروج الجملة الأخيرة، تملك الغضب من عمر.

ورغم أن ولادة ذلك الطفل في البداية كانت رغبة من والديه في امتداد نسل عائلة آل ناصر، إلا أن عمر شعر بفراغ في قلبه.

ففي النهاية…

كان ذلك ابنه البكر.

لكن عندما نظر إلى وجه ليلى الشاحب، وشفتيها الجافتين المتشقتين، وجسدها النحيل الذي كاد ينحصر في جلد على عظم، خفتت نبرة صوته قليلاً دون أن يشعر.

“على أي حال.”

“ما حدث قد حدث.”

توقف لحظة قبل أن يقول:

“مستقبلاً… يمكننا أن نرزق بطفل آخر.”

لم تجب ليلى.

بل لم تتغير نظرة عينيها ولو بقليل.

وكأن تلك الجملة لم تكن موجهة إليها على الإطلاق.

أو ربما…

أن الرجل الواقف أمامها لم يعد يملك الحق في قول مثل هذا الكلام بعد الآن.

شعر عمر أن الجو في المجلس أصبح يضايقه ويجعله يتنفس بصعوبة.

استدار على الفور وقال:

“قومي أولاً.”

“سأتحدث مع أمي لتنهي هذا الاعتكاف.”

لكن ليلى ظلت جائسة دون حركة.

كانت يداها تستقران بهدوء فوق ركبتيها، وظهرها مشدوداً باستقامة.

وكأنها تمثال انتصب في هذا المكان منذ مئات السنين.

“أنا أقول لكِ قومي، ألم تسمعيني؟”

بدأ صبر عمر ينفد.

تقدم خطوة إلى الأمام، وأمسك بمعصم ليلى محاولاً سحبها لتقف.

لكن في تلك اللحظة بالذات، صدر صوت امرأة فيه دلال من ناحية الممر:

“أخي عمر…”

“لماذا تمشي بهذه السرعة؟”

ظهرت نادين من الخلف.

كانت ترتدي معطفاً فاخراً من ماركة عالمية اشترته للتو من أوروبا، بينما كانت يداها مليئتين بأكياس التسوق المتنوعة من ريكيافيك وكوبنهاغن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *