حفل تخرج ١ – محمد نور
“ومع ذلك قلت لي في الصباح لا تفتعلي مشكلة!”
تألم وجهه: “سأشرح لكِ كل شيء.. أرجوكِ.”
أخذتُ الوسام الذهبي، وقربته من زي أخي الأبيض. كانت أصابعي ترتجف.
همس: “أمل.. أنا آسف.”
لم تكن الكلمة كافية.. ربما لا شيء يمكنه ترميم سنوات من الصمت والسخرية والانحياز للجانب الأسهل، لكنها كانت بداية.. مجرد بداية.
ثبتُ الوسام على صدره. وعندما تراجعت، أدى لي طارق التحية العسكرية بأكملها ودموعه تتساقط. أعدتُ له التحية.. ثم فعل أخي شيئاً لم يكن ليخطر ببال أبي ولا زوجته؛ تجاهل الكاميرات، وتجاهل البروتوكول والقائد، وألقى بنفسه في أحضاني يعانقني بشدة!
تسمرتُ للحظة، ثم احتضنته بكل قوتي.
همس عند كتفي: “لم أكن أعلم يا أمل.. لم أكن أعلم!”
“أعلم يا طارق.. أعلم.”
“كان ينبغي أن أسأل.. كان ينبغي أن أدفع عنكِ!”
كانت هذه الجملة الأخيرة هي ما يهم.. أغلقتُ عينيّ: “نعم.. كان ينبغي ذلك.”
خلفه، كانت زوجة أبي تبكي بحسرة، وأبي كان يحدق نحو مخرج الخيمة.. وهنا فقط استوعبتُ الحقيقة: أبي لم يكن مصدوماً من قصتي وتكريمي.. بل كان يحسب في عقله السرعة التي يمكنه بها الهروب والخروج من المكان!
استمرت مراسم الحفل، وعاد طارق لصفوفه، بينما نزلتُ أنا من المنصة. كان الناس يبتسمون لي الآن بكل احترام.
اعترضت زوجة أبي طريقي قبل أن أصل لمقعدي: “كيف لم تخبرينا؟! كيف تخفين عنا شيئاً كهذا؟!”
ها هي ذا مجدداً! لا “هل أنتِ بخير؟”، ولا “هل تأذيتِ من تلك الجراح؟”، ولا “أنا فخورة بكِ”.. بل “كيف لم تخبرينا؟!”؛ لأن جراحي في نظرها كانت مجرد قلة احترام لشخصها!
رددتُ بثبات: “معظم مهامي كانت سرية للغاية.”
“عشرين عاماً؟!”
“وبعضها ما زال سرياً حتى اللحظة.”
“كان يمكن أن تقولي إنكِ في الجيش!”
“لقد قلتُ ذلك بالفعـل!”
تغير وجهها.. تذكرتُ المواجهة القديمة عندما كنتُ في الحادية والعشرين؛ عدتُ للمنزل بعد دورة اللغات الشفرية، كنتُ متحمصة وممتلئة بالأمل، وقلتُ لهم على مائدة العشاء: “لقد التحقتُ بالخدمة البحرية.”
نظر أبي إليّ بجفاء وقال: “تركتِ كلية التجارة من أجل هذا الهراء؟!”، وبكت زوجته ليس خوفاً عليّ، بل لأنها كانت قد تفاخرت أمام قريباتها بأنني سأصبح محامية شهيرة! وقالت لي يومها: “أنتِ دائماً تسعين لإحراجنا!”.. وكان طارق في التاسعة، مدّ يده الصغيرة تحت الطاولة وأمسك بيدي.