حفل تخرج ١ – محمد نور
قبل تسع سنوات، خرجت طائرة مروحية تحمل ثمانية رجال من القوات الخاصة في مهمة خلف خطوط المداهمة. عاد سبعة منهم أحياء.. وعاد واحد ملفوفاً بالعلم.. وقضيتُ أنا ثلاثة وأربعين يوماً في المستشفى العسكري أتساءل لماذا نجوتُ أنا ومات هو!
خفض القائد نبرة صوته: “قبل تسع سنوات، تعرضت فصيلة من القوات الخاصة لكمين غادر أثناء تنفيذ عملية انقضاضية. تم ضرب الفصيلة قبل الوصول للهدف، وانقطعت وسائل الاتصالات جزئياً، وكُشف نقطة الإخلاء الأساسية، وكانت عناصر العدو تتقدم نحوهم من ثلاثة محاور.”
عدت بالذاكرة لسنوات.. شممت رائحة الغبار والوقود المحترق والدماء. بدأت يدي اليسرى ترتجف، فقبضتُ عليها بقوة.
“ضابط الاستخبارات الذي كان يدير الشفرات ويوجه العملية ميدانياً من غرفة العمليات كانت العميد أمل.. التي كانت برتبة مقدم وقتها.”
كانت زوجة أبي تبكي الآن.. لا أعلم لماذا؛ ربما صدمة، أو خزي، أو ربما مشاعر حقيقية طرأت فجأة.
“حددت المقدم أمل الممر البديل، وأعادت توجيه الطيران المساند، وبقيت على تواصل مع الفريق رغم انهيار شبكة الإشارة.. هذا ما تقوله النشرة الرسمية.” توقف القائد وواصل بنبرة صارمة: “ولكن ما لا تقوله النشرة الرسمية، هو أنه عندما أُسقطت طائرة الإنقاذ الأولى على بعد كيلومترين من موقع الفريق، ركبت العميد أمل طائرة الدعم الميداني بنفسها ونزلت لل الأرض!”
وقف أبي فجأة من مقعده! نظر إليه الجميع، فـ همست زوجته: “صالح؟” بذهول، ليعود ويجلس مجدداً ووجهه أربد كالموتى.
استمر القائد: “لم تكن مكلفة بالنزول الميداني، ولم تكن ضمن قوات الاقتحام.. نزلت لأنها كانت الشخص الوحيد القادر على فك الشفرة واستدلال الطريق الأرضي بين الوديان دون الحاجة لتوجيه إلكتروني كُشف أمرُه.. وخلال ذلك التحرك، أصيبت العميد أمل بطلقين ناريين.”
نظر طارق إلى الندبة الظاهرة في كتفي.. وتغيرت ملامح وجهه تماماً. الندوب القديمة.. أخيراً فهم!
“ووصلت قوة الإنقاذ إلى الرجال المحاصرين قبل دقائق قليلة من إطباق الحصار عليهم.. ونجا باقي الرجال بفضل قراراتها واستبسالها.”
توقف القائد عن الحديث، وعم السكون الشديد. “ثلاثة من هؤلاء الرجال الذين أنقذت حياتهم متواجدون معنا اليوم.”
التفتُ للخلف.. وفي أواخر الخيمة، كان يقف ثلاثة رجال؛ كبروا في السن قليلاً، أحدهم يتكأ على عصا، والآخر بساق صناعية تحت الركبة، والثالث لم أره منذ خروجي من المستشفى: المساعد أول كمال، والرقيب حسام، والعريف سعيد.