حفل تخرج ١ – محمد نور
أما أنا.. فقد اكتفيت بتمرير أطباق الطعام. كان الصمت أسهل دائماً؛ فالصمت يربك عائلتي أكثر من الغضب. الغضب يمكنهم وصفه بالجنون، والدموع يمكنهم اتهامها بالتلاعب والدراما، أما الصمت فلم يكن يمنحهم أي مسرحية ليمثلوها.
تنحنح رجل الأمن أخيراً: “يا أنسة؟”
ابتسمت “سهام” بقسوة: “نعم، أرجو أن تخرجها فوراً.”
لكن رجل الأمن لم يكن ينظر إليها، بل كان ينظر إليّ أنا: “هل يمكنني رؤية بطاقة هويتك مرة أخرى؟”
تنهدت زوجة أبي بتذمر: “أوه، أرجوك لا تضيع وقتنا يا بني!”
مددت يدي لإبراز بطاقتي الرسمية. أخذها الشاب، ثم قارنها بالقائمة التي يحملها. وفجأة.. تغيرت وقفته؛ لم تكن تغيراً كبيراً، لكنني لاحظته. سنوات من مراقبة تحركات الرجال في غرف الاجتماعات المغلقة والمحاطة بالسرية جعلتني خبيرة في التقاط هذه التفاصيل الصغيرة.
كانت قائمة الزوار تحتوي على اسمي: أمل صالح العريان. لكنه لم يكن مدرجاً تحت مقاعد العائلات، ولا تحت اسم “طارق العريان”، ولا حتى تحت قائمة الضيوف المدنيين.
كان هناك مدخل منفصل ومستقل في منتصف الصفحة، وعندما حاول أبي الاقتراب للرؤية، وضع رجل الأمن يده بشكل غريزي ليغطي السطر. لكن الوقت كان قد فات؛ فقد رأيته عندما سجلت دخولي في الصباح:
ضيف رفيع المستوى — يُحفظ للبلاغ القيادي.
وتحته رمز تصريح أمني عالي التشفير: NSW-COM 7A.
ختفت ابتسامة أبي في لحظة.. لم تدم المفاجأة سوى ثوانٍ قبل أن تعود ابتسامته، لكنها هذه المرة كانت ابتسامة باهتة ومضطربة.
زوجة أبي لم تلاحظ شيئاً بعد، لكن طارق لاحظ. نظر من اللوحة إليّ وقال: “ما معنى هذا؟”
رد أبي بسرعة ونبرة متوترة: “لا شيء.. مجرد خطأ تنظيم.”
أعاد رجل الأمن بطاقتي وهو يقف باستقامة احتراماً: “تفضلي بالدخول يا فندم، تصريحك معتمد.”
برشت “سهام” بعينيها: “معتمد لما؟”
“للحضور والمشاركة.”
“أنا أفهم ذلك، ولكنها لن تجلس معنا في مقاعد العائلة!”
رد الأمن بثبات: “هذا صحيح.. هناك موقع مخصص ومحجوز للأنسة أمل.”
أكسبني ذلك نظرة جديدة من طارق؛ لم تكن نظرة ازدراء هذه المرة، بل كانت نظرة ذهول وريبة.
تدخل أبي بحدة محاولاً لملمة الموقف: “يمكن لأمل أن تجلس حيث تشاء.. دعونا لا نجعل من هذا مسرحية.” وأمسك بذراع زوجته ليحثها على السير، ولكنني لاحظت شيئاً آخر.. كانت يده ترتجف!