حفل تخرج ١ – محمد نور
لم أرَ أبي خائفاً إلا نادراً. “صالح العريان” بنى شخصيته بأكملها على إيهام الجميع بأن العالم يخضع لأوامره. قضى ثلاثين عاماً في مجال اللوجستيات العسكرية وتوريد المعدات للدفاع، حتى أصبح نائباً لرئيس مجلس إدارة إحدى شركات المقاولات والتوريدات الكبرى. كان يعرف اللواءات، ويلعب الجولف مع القادة المتقاعدين، ويتبرع للجمعيات. وفي صالة منزلنا، تزين الجدار صورة كبيرة له وهو يصافح أحد قيادات الدفاع قبل خمسة عشر عاماً.
لم يخدم يوماً واحداً في السلك العسكري، ولكنك لو استمعت إليه وهو يتحدث لظننت أنه قائد المعارك بنفسه. كان يعشق الرتب والبدلات العسكرية، ويعشق التباهي بما سيصبح عليه ابنه.. ولكنه لم يسألني مرة واحدة عما أصبحتُ عليه أنا!
سرتُ نحو المقعد الذي أشار إليه رجل الأمن: المقعد الأخير في الممر الجانبي، قريب بما يكفي لرؤية المنصة، وبعيد بما يكفي عن عائلتي كي تتمكن زوجة أبي من التظاهر بأنني غير موجودة.
جلستُ ووضعتُ حقيبتي في أحضاني. وداخل الحقيبة، كانت هناك حافظة جلدية صغيرة لم أفتحها منذ ثلاث سنوات، استطعت الشعور ببرودتها وحوافها الحادة عبر القماش.
مالت زوجة أبي نحو العمة “ميرفت” الجالسة بجوارها: “تصوري! ارتدت الأسود في حفل تخرج أخيها الوحيد!”
ردت العمة بنبرة شفقة مزيفة: “ربما ظنت أنه يناسب رسمية المكان.”
ضحكت “سهام” بسخرية.
التفتت امرأة تجلس أمامنا ونظرت إلينا. خفضتُ عينيّ.. كانت البطاقة المعلقة داخل حقيبتي تزداد برودة؛ لم تكن بطاقة زائر مدني، بل كانت البطاقة الأجنبية الأخرى.. البطاقة التي تحمل النسر والسيفين والمكشوفة فوق ثلاثة كلمات لم ترها عائلتي يوماً بجوار اسمي:
العميد أمل صالح العريان
القوات البحرية — قطاع الاستخبارات والأمن العسكري
طوال حياتي، أخطأت عائلتي في فهم رفضي للتبرير وظنوا أنه ليس لدي ما أقوله أو أفسره.. وكانوا على وشك اكتشاف كم كان هذا الخطأ مكلفاً!
عندما بدأ الحفل، وقف الجميع. أشرقت البدلات العسكرية البيضاء تحت شمس الصباح، وصدرت الأوامر العسكرية، وتحركت الأحذية بإيقاع واحد، وعم السكون المكان لترحل ضوضاء العائلة للحظات.
شاهدت طارق وهو يخطو للأمام في تشكيل الخريجين. تملكني الفخر.. فخر حقيقي ومؤلم.
تلك هي المعضلة المعقدة في العلاقات العائلية؛ أن يتمكن شخص من إهانتك لسنوات، ومع ذلك يظل محتفظاً بمكانته القديمة في قلبك قبل أن تبدأ الجراح. تذكرت طارق وهو في السادسة، ينام بكشاف يدوي صغير لأن “الوحوش تخاف من الضوء”. وتذكرته في العاشرة، يتقاسم معي حلوى العيد عندما مرضت. وتذكرته في الرابعة عشرة، يقف خلف باب غرفتي وأبونا يصرخ في وجهي، ويهمس لي من ثقب الباب: “هل أنتِ بخير يا أمل؟”.