حفل تخرج ١ – محمد نور

ثم تذكرته في الحادية والعشرين وهو يضحك عندما نعتتني زوجة أبي بالفهلوة والفشل.. وتذكرته اليوم؛ رجلاً سحل نفسه في المياه الباردة، والليالي الساهرة، العضلات الممزقة، والتدريبات النفسية التي صُممت لتجريد الإنسان من كل شيء حتى لا يتبقى منه سوى الحقيقة.

وأنا أعرف جيداً ما يعنيه أن يتجرد الإنسان وصولاً إلى الحقيقة.

خطا القائد العسكري للفرقة نحو الميكروفون.. القائد “ممدوح نصر”. في الثامنة والأربعين من عمره، فارع القامة، يتخلل الشيب شعره.

التقيت به لأول مرة قبل أحد عشر عاماً في مكان لم يستضف رسمياً أي قوات عسكرية. كان شعره داكناً وقتها، وكانت ركبته اليسرى تعمل بكفاءة، وقبل خمس عشرة دقيقة من لقائي به وقتها، كان اثنان من رجال وحدته قد قُت/لا في كمين. لم يكن يعرف اسمي الحقيقي وقتها.. كان اسمي الكودي حينها “البومة”.. وكان هذا كل شيء.

بدأ القائد ممدوح كلمته: “أيها الحضور الكرام، لقد شاهدتم هؤلاء الرجال وهم يضحون بأكثر مما يمكن لأغلب البشر استيعابه.”

ارتفعت صيحات التصفيق. هز أبي رأسه بوقار تصنّعه، وواصل القائد: “لقد تحملتم غيابهم في الأعياد، والمكالمات لم يُرد عليها، والشكوك، الفترات الطويلة التي لم تكن تعرفون فيها بالضبط ما الذي يفعله أبناؤكم وإخوانكم.”

ضغظت زوجة أبي يدها على قلبها بدراما افتعالية. كدتُ أبتسم.. “مكالمات لم يُرد عليها”! لو تعلمين فقط!

وقال القائد: “سيغادر هؤلاء الرجال اليوم وهم يحملون رمزاً يعترف به العالم أجمع، لكن هذا الوسام ليس مجرد قطعة معدنية للتفاخر.. إنه عهد ومسؤولية: الانضباط، التضحية، الصمت، والتفاني.”

توقف القائد، ونقل نظراته بين الخريجين: “عندما يتخيل الناس العمليات الخاصة، يتخيلون الرجال في مقدمة المواجهة، الممسكين بالس/لاح.. لكن لا تنجح أي عملية بفضل شخص واحد فقط. خلف كل رجل يعود سالماً، هناك أشخاص قد لا تظهر أسماؤهم أبداً في الصحف: رجال الاستخبارات، موجهو الطيران، طواقم الإشارة، الفرق الطبية الميدانية، والمحللون.”

ثم التفت بنظره نحو الممر الجانبي.. نحوي أنا.

لاحظت زوجة أبي هذه النظرة، فتلاشت ابتسامتها.

نظر القائد ممدوح إلى الملف المفتوح أمامه على المنصة، قلب صفحة واحدة.. ثم توقف.

عبرت نسائم الهواء بين المظلات، واهتزت الأوراق في أيدي الحضور. ألقى القائد الملف جانباً، وابتعد عن الميكروفون.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *