حفل تخرج ١ – محمد نور
“أهلاً طارق.”
هبطت نظراته إلى فستاني. أسود، يصل للركبة، بسيط للغاية، بلا أي مجوهرات سوى ساعة فضية صغيرة. استطعت أن أرى محاولاته لتقييم ما إذا كان لون الفستان بحد ذاته يُعد إهانة له ولليوم.
“لماذا أتيتِ يا أمل؟”
كدت أضحك بمرارة: “لقد تم توجيه الدعوة لي.”
“من مَن؟”
تدخلت زوجة أبي لتعدل النبرة: “بل قولي بفضل مَن!”
جاهلها طارق وواصل النظر إليّ: “اليوم حفل تخرجي وتكريمي.. لا تفتعلي مشكلة يا أمل.”
كانت كلماته تؤلم أكثر مما ينبغي.. ربما لأنني تذكرته وهو في الثامنة من عمره يجر فراشه إلى غرفتي في الليالي الممطرة ذات الرعد الشديد، ويجلس على الأرض مصراً على أن صوت الرعد يصبح أقل تخويفاً عندما يستمع إليه شخصان معاً. ربما لأنني تذكرت الصبي الذي أحبني دون شروط، قبل أن يعلمه أبونا وزوجته من ينبغي أن يُحترم في هذه العائلة ومن يجب دهسه.
“لست هنا لأفتعل المشاكل يا طارق.”
“إذاً لماذا ترتدين الأسود؟”
ردت “سهام” نيابة عني: “لأنها تعشق إظهار نفسها في مظهر الضحية وجذب الأضواء.”
نظرتُ أسفلُ نحو فستاني.. لم يكن في الأمر أي دراما. اللون الأسود يناسب السفر ومتاعبه، لا يتجعد بسهولة، ويمكنه الصمود لأربع وثمانين ساعة دون نوم ويبقى مظهرك متماسكاً ومهاباً.
والأهم من ذلك كله.. أن الأسود لا يظهر عليه آثار الدماء.
هذا الاعتبار الأخير أصبح غريزة لدي منذ سنوات؛ ليس بسبب الجنائز، ولا بسبب الموضة، بل لأنه مرت بي فترة في حياتي كانت الطائرات المروحية تهبط فيها وهي تحمل رجالاً ينزفون بغزارة عبر الضمادات الضغطة، وكانت أنوار المستشفيات الميدانية تستمر مشتعلة حتى الثالثة صباحاً، ولأنني تعلمت أن الشخص يمكنه أن يحمل دماء شخص آخر على يديه لسنوات قبل أن يستوعب أنها جفت تحت أظافره.
عائلتي لم تكن تعلم شيئاً من هذا.
كل ما يعرفونه هو أنني تركت التعليم الجامعي العادي في سن العشرين، وأنني كنت أختفي لشهور طويلة، وأنني أحياناً كنت أرسل هدايا المناسبات من عناوين ومطابع لا وجود لها عندما يحاول أبي البحث عنها، وأنني أحمل ندوباً جراحية على كتفي الأيسر وجانبي الأيمن.. ندوباً لم يجرؤ أحد على السؤال عنها يوماً.
ولأنهم لم يعلموا الحقيقة، فقد اخترعوا تفسيرات تناسب مخيلتهم السطحية: طيش، علاقات فاشلة، قرارات خاطئة، وبحث عن الاهتمام. حتى إن زوجة أبي أعلنت مرة على مائدة العشاء أمام الأقارب أنني على الأغلب أعمل “مستشارة تجارية” لأنني أخجل من الاعتراف بعدم قدرتي على الحفاظ على وظيفة طبيعية! وضحك الجميع وقتها.. بمن فيهم طارق.