حفل تخرج ١ – محمد نور
لثانية واحدة، لم يفهم أحد ما يحدث.
ثم ترجل القائد عن المنصة.. مرّ بجوار الخريجين، تجاوز طارق، تجاوز الصف الأول من أفراد العائلات الذين كانوا ينظرون إلى فستاني الأسود وكأنه جرم.
واصل القائد سيره نحو الممر الجانبي.. نحوي أنا مباشرة.
بدأ الحضور يتلفتون للخلف. وقفتُ بانتصاب غريزي.. ليس حبّاً في الظهور، بل لأن ستة عشر عاماً في الاستخبارات البحرية صنعت استجابة جدي قبل أن يتفكر عقلي.
توقف القائد على بعد خطوتين مني. هبطت عيناه إلى وجهي، ثم إلى الندبة الناتجة عن رصاصة قديماً والتي تظهر فوق فتحة الفستان. مرّ شيء دافئ في ملامحه: حزن، احترام، وتقدير عميق.
تصلبت كتفاه.. وقبل أن يفهم أي شخص حولنا ما يجري، رفع قائد إحدى أعتى وحدات القوات الخاصة يده وأدى لي تحية عسكرية حازمة وشديدة الاحترام!
ساد صمت مطبق في المكان حتى كدت أسمع صوت أمواج البحر في الخلفية. أعدتُ له التحية بوقار.
أصدرت زوجة أبي صوتاً مخنوقاً كأنها تختنق. وخلف القائد، كان أخي طارق يحدق بي من تشكيل الصفوف ووجهه قد شحب تماماً.
أنزل القائد يده وقال بصوت واضح: “سيادة العميد أمل.”
همس أبي بشيء لم أستطع سماعه، لكن زوجته سمعته فصرخت بهمس: “ماذا ناداها؟!”
واصل القائد نظراته إليّ: “يا فندم.. كنا بانتظارك.”
سرى سرور خاطف في الحضور كالكهرباء. ابتسعتُ بوقار: “مر وقت طويل يا ممدوح.”
التفت العديد من الحضور لجرأتي في استخدام اسمه المجرد. ابتسم القائد ابتسامة خفيفة: “ليس طويلاً بما يكفي لأنسى أفضالك علينا.. هل تتفضلين بالصعود معي إلى المنصة؟”
ترددتُ.. ليس خوفاً من الوقوف أمام الناس، فقد أدرتُ اجتماعات ضمّت كبار القوات المسلحة ووزراء وشخصيات لا تظهر أسماؤها في الجرائد.. بل تردد لأن طارق كان يقف هناك، ولأن زوجة أبي كانت تحوقل وتنظر إليّ وكأنني تحولت إلى كائن آخر، ولأن أبي كان يبدو كأنه يشاهد باب جهنم يفتح أمامه!
“أمل؟” قالها طارق بصوت مذهول خرج منه قبل أن يستوعب.
نظرتُ إليه، ثم إلى القائد: “حسناً.. نلبي الدعوة.”
سرتُ برفقة القائد نحو المنصة. لم يصفق أحد بعد.. فقد كانوا في حالة صدمة وذهول. كانت طرقات حذائي ترن على الأسفلت. وعندما مررتُ بجوار عائلتي، مدّت زوجة أبي يدها محاولة الإمساك بذراعي: “أمل! ما الذي يحدث هنا؟!”