عقاب اداري – محمد نور
لم تصرخ.
وكان هذا الصمت أشد رعباً وإخافة للجميع.
وحين حاولت مُنى الدفاع عن نفسها قائلة: «لقد كنا نفعل هذا دائماً بهذه الطريقة!»
ردت وفاء بكلمة واحدة: «إذن كنتم تفعلونه بشكل خاطئ دائماً.»
لكن المفاجأة الحقيقية وصلت في فترة بعد الظهيرة.
دخل المستشفى رجل يبلغ من العمر حوالي وخمسين عاماً، يرتدي سترة قديمة ومتهالكة، ويحمل في يده حقيبة تسوق قماشية مستعملة.
نظرته أميرة من الأعلى إلى الأسفل باحتقار.
وبغريزتها الاعتيادية، كادت تسأله بحاد عما يفعله هنا.
في تلك اللحظة، ظهرت وفاء في نهاية الممر.
وتغيرت ملامح وجهها فوراً.
– «عمّ صابر! تفضل يا حاج، كنت بانتظارك!»
ابتسم الرجل المسن وقال: «يا محاسن الصدف يا وفاء! انظري أين تعملين! هذا المكان أشبه بفندق مخصص للأثرياء.»
التفت طاقم الموظفين بالكامل نحوهما. لم يسمع أحد وفاء تتحدث بهذه الحرارة والدفء من قبل.
قالت وفاء: «دكتور هشام… هذا صديق عزيز لعائلتنا. إنه بحاجة إلى فحص لعينيه، وأريد إجراء فحص شامل وكامل له.»
عقد هشام حاجبيه وقال: «نحن هنا لا نتعامل عادة مع…»
نظرت إليه وفاء بنظرة حادة.
فعدّل الطبيب كلامه فوراً: «بالتأكيد… سنفحصه فوراً.»
– «ومجاناً.»
اتسعت عينا أميرة من الصدمة.
وما إن غادر عم صابر، حتى بدأت الهمسات والهمهمات تتردد في كل زاوية.
وفي اليوم التالي، حدث أمر أكثر غرابة.
طلبت سيارة إسعاف خاصة مساعدة عاجلة. فعلى بعد شوارع قليلة، أصيب عامل بناء شاب بجرح غائر في ساعده بسبب لوح معدني.
لم يكن من عملاء المستشفى.
ولم يكن يمتلك تأميناً صحياً خاصاً.
وكان يغطيه الغبار والدماء.
في السابق، كانت “الحياة الجديدة” لتوجهه ببساطة إلى مستشفى حكومي آخر.
لكن وفاء أمرت بفتح غرفة العلاج فوراً.
– «دكتور هشام، تعال معي. منى، جهزي أدوات الخياطة والتقطيب.»
احتجت منى: «لكن هذا مستشفى تجميل!»
التفتت إليها وفاء وقالت: «وهذا إنسان ينزف.»
قام هشام بإسعاف الجرح.
وبينما كان ينظف ذراع الشاب بحذر وعناية، تغير شيء ما في ملامح وجهه.
سنوات طويلة وهو يجري عمليات لتجميل الأنوف والجفون والبطون مقابل مبالغ طائلة، لكنه في ذلك اليوم كان يعمل لينقذ يد عامل بسيط من الفقدان والتعطل.
وعندما انتهى، تفقدت وفاء الخياطة وقالت: «عمل ممتاز يا دكتور.»
رفع هشام رأسه. ولأول مرة منذ وقت طويل، ظهر عليه فخر حقيقي بنبله وطبه.