لقاء بعد غياب – محمد نور

انتشر مقطع الفيديو الخاص بطفلي كالنار في الهيم، وفوجئت بملايين البشر يكتشفون هوية والده قبله هو شخصياً…

نشرتُ ذلك المقطع وأنا أظن أنه ربما سيكون أحد آخر الذكريات التي ستجمعني بطفلي. لم يدر بخلدي أبداً أن يحقق كل تلك المشاهدات، وناهيك عن أن يحدق آلاف الغرباء، في أقل من أربع وعشرين ساعة، في وجه طفلي الصغير “حمزة”، ويكتبوا جميعاً الاسم نفسه:

“أمير الهاشمي”.

رئيس مجلس إدارة “مجموعة الهاشمي”.

سليل إحدى أثرى وأقوى العائلات في المدينة.

والرجل الذي أقسمتُ يوماً ألا أرى وجهه مجدداً.

كان ذلك قبل خمس سنوات.

عندما كان لا يزال زوجي.

بدأ كل شيء بمطع فيديو طريف؛ كان “حمزة” يرتدي طبقات كثيرة من الثياب ليحتمي من البرد القارس، حتى أنه كاد يعجز عن المشي. وبينما كنتُ أضحك خلف الكاميرا، كان هو يتقدم بخطواته وتعبير وجهه الجاد كعادته، وكأنه ابن ثلاث سنوات يتجه لإدارة اجتماع مجلس إدارة بدلاً من اللعب!

بدأت التعليقات على سبيل المزاح، حتى ظهر تعليق واحد قلب كل شيء رأساً على عقب:

— “هل أنا الوحيدة التي ترى أن هذا الطفل نسخة مصغرة من أمير الهاشمي؟”

في البداية لم يصدق أحد، لكن سرعان ما نشر أحدهم صوراً للمقارنة:

تفاصيل الوجه…

رسمة الحواجب…

طريقة زمّ شفتيه عندما يغضب…

حتى تلك النظرة الحادة والمبتعدة التي تجعل الآخرين يشعرون وكأنه يشرحهم ويقيّمهم.

كانا نسخة طبق الأصل.

شعرتُ بالدماء تتجمد في عروقي، فمسحتُ الفيديو على الفور.

لكن الأوان كان قد فات؛ إذ جرى تحميله آلاف المرات.

وبعد ساعات قليلة، صار اسمي حديث الساعة، وفعل مستخدمو النت ما يتقنونه دائماً: التفتيش والنبش.

عثروا على صور قديمة تجمعني بأمير، ثم عثروا على ما هو أسوأ… فيديو انفصالنا.

لم أكن قد شاهدتُ ذلك المقتطع من زاوية خارجية قط؛ في تلك المشاهد، كنتُ أسير نحو السيارة وسط تساقط الثلج، بينما وقف أمير خلفي… ثابتاً، يمسك بجميرة سجارة بين أصابعه وتتراكم طبقة خفيفة من الثلج على كتفيه.

لطالما أردتُ أن أقنع نفسي طوال تلك السنوات أنه تركني أرتحل ببساطة في تلك الليلة، لكن الفيديو أظهر شيئاً آخر: لقد خطا أمير خطوتين خلفي… ثم توقف، وانتظر… وكأنه كان يراهن على أنني سألتفت للوراء.

لم أفعل. لأنني لو ملتُ برأسي لحظتها، لما ملكتُ القوة للرحيل أبداً.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *