لقاء بعد غياب – محمد نور

نظرتُ إلى الشاشة، ثم نظرتُ إليه، وأخيراً رفعتُ يدي إلى عنقي. تحت قميصي الصوفي، كنتُ لا أزال أحتفظ بقطعة صغيرة من الخاتم المصنوع من الجاد الأبيض… الهدية التي قدمها لي أمير ليلة زفافنا، الشيء الوحيد من أثره الذي لم أستطع رميه أبداً.

خلعتها، ووضعتها في كفه.

تجمّدت أصابعه، ولأول مرة تغيرت تعابير وجهه.

همستُ: “هذا يعوّض الخدش… لا أملك شيئاً آخر.”

حاولتُ الابتعاد والانسحاب، لكن أمير أطبق قبضته بقوة حول معصمي. كان يحدق بذهول في قطعة الجاد، ثم نظر إلى وجهي الشاحب، وأخيراً إلى الكدمات التي برزت من تحت طرف كمّي.

عندما تحدث، لم تكن نبرته باردة… بل كانت عاصفة بالخطر:

— “مريم…”

رفع عينيه ونظر إليّ بطرق غريبة:

— “لماذا لا تزالين تضعين خاتم زفافنا حول عنقكِ؟”

وفي تلك اللحظة بالذات، ومن خلفي، سمعتُ صوت حمزة ينادي:

— “أمي!”

تصلّب أمير في مكانه تماماً.

ركض طفلي ونزل إلينا، وعندما رفع وجهه الصغير…

فقد الرجل الذي أدّعى أنه نسيني كل ألوان وجهه، وانخلع قلبه من بين أضلاعه!

الجزء الثاني

طوال سنوات، تخيلت كيف ستكون تلك اللحظة.

بنيت مئات السيناريوهات والنسخ في رأسي:

في بعضها، كان “أمير” يصرخ وينفجر غضباً.

وفي بعضها الآخر، كان يتهمني بأسوأ التهم وأنني سرقت منه ابنه.

أما في أسوأ تلك الكوابيس، فقد كان يأخذ “حمزة” بعيداً عني، ولا أعود أراه مجدداً أبداً.

لكنني لم أتخيل قط شيئاً بهذه البساطة والهدوء:

“أمير الهاشمي”، الرجل الذي كان بمقدوره إرجاف قاعة الاجتماعات بكاملها بنظرة واحدة منه، يقف مشلول الحركة تماماً على الرصيف، بينما يركض طفل في الثالثة من عمره نحوي!

— “أمي!”

ارتمى حمزة في أحضاني وطوق ساقي، ثم رفع رأسه الصغير، فرأى أمير… ورآه أمير بالمقابل.

ساد صمت ثقيل خنق الأنفاس في المكان.

عقد حمزة حاجبيه… وعقد أمير حاجبيه أيضاً!

صنع كلاهما الحركة نفسها والتعبير نفسه بالضبط.

تمنيتُ لحظتها لو أن الأرض تشققت وابتلعتني.

— “من هذا العم يا أمي؟” سأل حمزة.

تحركت تفاحة آدم في حلق أمير ببطء وهو يبتلع غصته، ثم وجه نظراته إليّ:

— “أجل يا مريم… من أكون بالنسبة لكِ؟”

كان هناك شيء مرعب ومؤلم يكمن في ذلك السؤال.

أمسكتُ بيد حمزة وشددتُ عليها:

— “إنه رجل من المعارف.”

تصلبت عينا أمير وقست ملامحه:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *