لقاء بعد غياب – محمد نور
لم نسترد زواجنا بين عشية وضحاها؛ مررنا بجلسات استشارية، ونقاشات، وأيام بدا فيها الماضي ثقيلاً جداً. كان عليّ أن أتعلم أن حماية من نحب لا تعني اتخاذ القرارات نيابة عنهم، وكان على أمير أن يتعلم أن السيطرة على المواقف لا تعني إلغاء الخوف.
أخطأنا كثيراً، لكننا في هذه المرة كنا نتحدث؛ عندما أخاف أقولها، وعندما يغضب لا يختفي، وعندما يسأل حمزة سؤالاً محرجاً لا نختلق قصصاً عن الكلاب والكبش!
وبعد سنتين، عدنا إلى المكان نفسه الذي تزوجنا فيه سرا؛ لا لتجديد العهود —إذ كان أمير يصر على أن العهود الأولى لا تزال قائمة وسارية— بل أقمنا حتفلاً لأجل حمزة الذي كان يصر على أن من حقه المشاركة لأنه تفوت البداية!
— “لم تكن قد ولدتَ بعد يا بني!” شرحتُ له.
— “هذه ليست مشكلتي!”
إنه ابن أمير بلا أدنى شك!
أثناء العشاء، ضرب حمزة كأسه بالملعقة، فسكت الجميع.
— “لدي إعلان!”
نظر أمير إليه بقلق: “من علمك القول هكذا؟”
— “أنت!”
أخرج حمزة ورقة وقال:
— “قالت أمي ذات يوم إن أبي كبش وضاع…”
انفجر الحضور بالضحك، وتمنيتُ لو اختبأتُ تحت الطاولة.
ابتسم أمير: “قصة طويلة…”
تابع حمزة: “لكنني أعلم الآن أن هذا غير صحيح… أبي فقط تأخر كثيراً في العثور علينا!”
تلاشت ضحكة أمير، ورأيتُ عينيه تتملآن بالدموع.
احتضنه حمزة وقال: “لكنه وصل في النهاية!”
ثم جاء نحوي واحتضنني: “وأمي لن ترحل بعد الآن!”
أغمضتُ عينيّ… طوال سنوات، ظننتُ أن قصتي مع أمير هي قصة عن الفراق والتضحية، وعن حب شخص لدرجة الاختفاء من حياته لأجله.
لكنني كنتُ خاطئة؛ فالحب ليس رحيلاً بصمت، ولا إخفاءً للألم، ولا اتخاذ للقرارات بشكل منفرد.
أحياناً يكون الحب شيئاً أقل دراماتيكية بكثير: أن تبقى، أن تتحدث، أن تطلب المساعدة، وأن تعود بعد أن تكون قد ضللت الطريق!
وبعد أشهر، ظهر المقطع القديم لحمزة وهو يمشي بالطبقات الكثيرة من الثياب على الإنترنت مجدداً، وكتب أحدهم:
“هذا الطفل انتشر مقطعه لأن الجميع اكتشف من يكون والده!”
ابتسمتُ وأنا أقرأها؛ فالأمر لم يكن صحيحاً تماماً. ظن مستخدمو النت أنهم اكتشفوا سراً، لكنهم لم يروا سوى جزء ضئيل منه: لم يعلموا عن ليالي المستشفى، ولا عن التهديدات، ولا عن الزواج الخفي، ولا عن الأجنة المجمدة، ولا عن الأب الذي بكى أول مرة ناداه فيها ابنه “أبي”، ولا عن المرأة التي كانت تستعد للموت فتهت في النهاية كيف تعيش من جديد!