لقاء بعد غياب – محمد نور
بالتأكيد… إنه ابن أبيه حقاً!
في الصباح التالي، أخذته إلى الروضة على دراجتي النارية القديمة، ثم اتجهتُ إلى المستشفى.
جلسات علاج كيميائي… تحاليل… إبرة أخرى… وصباح آخر أتظاهر فيه أن كل شيء طبيعي. كان للفضل في فصل الشتاء ميزة واحدة: الثياب الثقيلة تخفي الكدمات؛ إذ لم أكن أريد أن يستمر حمزة في سؤالي عن سبب إثخان ذراعي بتلك العلامات.
عندما عدتُ إلى الدراجة، تفاجأتُ بوجود حافظة حرارية وردية مع قفازات رخيصة داخل السلة. كانت جديدة، وكان داخل الحافظة ماء دافئ.
حينها فقط فهمتُ لماذا كان حمزة يجمع العلب الفارغة والكرتون منذ أسابيع لبيعها… لقد كان طفلي ابن السنين الثلاث يجمع القروش ليشتري لأمه قفازات تهميهما من البرد!
ارتديتُها، وبكيتُ طوال طريق العودة.
وفكرتُ مجدداً في السؤال الذي يطاردني كل ليلة: إذا وافاني الأجل ومات الجسد، ماذا سيحل بحمزة؟
كان بإمكاني البحث عن أمير… وإخباره بالحقيقة، وربما طلب المال لعلاج آخر. لكنني كنتُ موقنة أنه يكرهني بعد انفصالنا، وكنتُ أفضّل الاختفاء على أن أعود لرجائه والتشحت منه.
كنتُ شاردة الذهن، وعندما توقفتُ عند الإشارة الضوئية، فقدتُ توازني وخدشتُ سيارة سوداء فارهة.
انخفضت النافذة الخلفية، ورأيتُ ذلك الوجه… ولثانية واحدة نسيتُ كيف أستنشق النفس!
أمير.
خمس سنوات… خمس سنوات كاملة!
نزل من السيارة، وعاين الخدش، ثم رفع بصره إليّ. مرت عيناه سريعاً على يدي المدماة، ولم يسأل حتى إن كنتُ بخير.
— “آنسة مريم…” قالها برود يجمّد الدماء، “طال الفراق.”
“آنسة مريم”… قديماً كان يناديني “يا روحي”، وكان رقم هاتفي أول ما يطلبه عند الصباح، والآن يحدثني وكأنه يجاهد ليتذكر اسم عائلتي!
رن هاتفه، فأجاب أمامي مباشرة:
— “أنا بالخارج.”
صمت قليل، ثم تلين نبرة صوته:
— “كلي شيئاً، اتفقنا؟”
صمت آخر:
— “سأكون عندك الليلة.”
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
— “نعم… سأحضر معي كعكة الفراولة.”
شعرتُ بشيء يتحطم في أضلعي… كريمة، بالطبع!
بعد أن أغلق الخط، تلاشت تلك النبرة الحنونة من وجهه وقال:
— “كيف تتوقعين سداد تكلفة الإصلاح؟”
فتحتُ محفظتي… كان فيها بضعة دراهم لا غير، وهو كل ما أملكه حتى نهاية الأسبوع.
أخرج أمير هاتفه وأظهر رمز الدفع الإلكتروني:
— “يمكنكِ تحويل المبلغ.”