لقاء بعد غياب – محمد نور

— “ماذا فعلت؟!”

كان أمير يقف في الممر؛ بلا معطف، وبلا حراس شخصيين، وبلا ذلك القناع التنفيذي البارد الذي يرتديه أمام العلن. كان ي stand كـ “أمير” الحقيقي مجرداً… وكان يغلي غضباً!

— “لم أضطر لبذل جهد كبير؛ فمستشفاكِ القديم لا يزال يحتفظ بالسجلات.”

— “هذا غير قانوني وسيُحاسبون عليه!”

— “ارفعي عليّ دعوى قضائية إن أردتِ.”

— “سأفعل!”

— “ممتاز، لكن قبل ذلك فسرّي لي هذا!”

رفع ورقة في وجهي، فرأيتُ اسمي، والتاريخ، والتشخيص:

“حمل عالي الخطورة… بروتوكول تأخير نمو الجنين… ملاحظة هامة…”

ملاحظة كنتُ أدعو الله ألا يقرأها أحدٌ أبداً.

قرأ أمير الكلمات ببطء ونبرة متهدجة:

— “انغراس متأخر للجنين بعد حفظه سريرياً…”

تكسر صوته عند الكلمة الأخيرة.

لم أنبس ببنت شفة.

قبل خمس سنوات، تحول زواجنا إلى كابوس مظلم، ليس لأن الحب انتهى بيننا، بل لأن عائلة الهاشمي قررت أنني لست الكفء ولا المناسبة لهم.

عرضت عليّ والدته المال لأبتعد، وهدده جده بطرده من الشركة وحرمانه من الإرث، وصار المساهمون يشككون في كل قرار يتخذه.

ثم وقع الحادث الأليم… وكاد أمير أن يلقى حتفه.

طوال أسابيع، ظننتُ أن الحادث وقع بسببي، قبل أن أكتشف أن أحدهم قد عبث بمكابح سيارته! لم نستطع إثبات المتسبب أبداً، لكنني تلقيتُ رسالة هاتفية تحتوي على صورة واحدة لأمير وهو غائب عن الوعي على سرير المستشفى، وتحتها سبع كلمات قاطعة:

“في المرة القادمة لن ينجو… ارحلي فوراً!”

فرحلتُ… لا لأنني توقفتُ عن حبه، بل لأن الرعب تملكني على حياته!

وقبل رحيلي، كنا قد بدأنا رحلة علاج للخصوبة؛ إذ كنتُ أعاني من مشكلات طبية تجعل الحمل الطبيعي أمراً معقداً، وكنا قد جمّدنا أجنة لنا. وبعد انفصالنا، عندما اكتشفتُ أن إحدى المحاولات السابقة قد أحدثت انغراساً متأخر للغاية، كدتُ أفقد الجنين.

قضيتُ أشهراً أدخل المستشفيات وأخرج منها حتى ولد حمزة مبكراً عن موعده.

رسمياً وقانونياً، كان عمره ثلاث سنوات، أما بيولوجياً وطبياً، فكانت القصة أعقد بكثير من مجرد حسبة سريعة يجريها رواد النت!

ونعم… كان حمزة ابن أمير!

— “هل هو ابني؟” سألني بصوت خافت كاد ألا يُسمع.

نظرتُ إليه… طوال خمس سنوات كنتُ أعد نفسي للكزب والصمود، لكنني في ذلك اليوم كنتُ منهكة؛ تعبتُ من المستشفيات، وتعبتُ من الاختباء، وتعبتُ من العيش في رعب دائم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *